النقيض الموجع

للناس فيما يدركون طبائع ومذاهب، ولهم سلوك وتصرفات متباينة؛ وتلك أمور تأخذ من الطبع البشري في الإنسان مأخذها الفطري وعادتها المألوفة المستحكمة، ومن هذه الأمور ما هو محبوب مفضل قد يقدّم الخير للناس وقد يرفع الأذى عن المشاعر المرهفة التي تتحكم بالإنسان، ومنها ما يقدم النقيض الموجع كالذي تغص به بعض المحافل اليومية للمجتمع؛ ومن المتفق عليه عند ذوي البحث والاختصاص أن الطبائع البشرية التي تشرع إلى سلوك جانح يضر مصالح الآخرين وحقوقهم يمكن لجنوحها أن يتعدل ويستقيم؛ إذا تم توجيهه وجهة نزوعية سليمة تحترم الطرف الآخر وتعترف بحقه وإنسانيته.
وإن من بين الترهات التي تتحكم في بعض الناس تحكمًا سلبيًا ما هو مشهود ومسموع في بعض المناسبات والاجتماعات الثنائية والجماعية التي تُعقد؛ ففي تلك الجلسات وأخواتها اللاحقات تبصر العين وتسمع الأذن صورا معتمة من الملامح والسلوك والأنانيات؛ يبدأ أحدهم بالحديث الشيق عن نفسه وتاريخه المجيد؛ عما فعل وما سيفعل وما ينتظره من أفعال؛ مدللاً على رواياته بالنقيصة من فلان وبذكر معائب علان؛ إلى حدّ تطيب معه نزعته وسلوكه الشائن، وتطغى معه على كل فضل يمكن أن يتحقق لغيره أو يُعزى لسواه من الناس!.
وصورة أخرى من صورالأنانيات المستوطنة في بعض النفوس، ما يُلمّ به الدارس للمجتمع والمتتبع لأحواله وشئونه من تحكيم بعض الناس مصلحتهم الخاصة وتفضيلها ورعايتها دون النظر والعناية بمصالح الآخرين وحقهم في الانتفاع المشترك بالمصالح العامة، والأمثلة على ذلك من المشاهد اليومية تجل عن الحصر والذكر؛ ففي الطرقات والمسالك والمواقف العامة شواهد ملموسة، وفي الأسواق العامة، والمحلات التجارية، والمرافق المشتركة صور مماثلة تدل بأسى ومرارة على أن الأنانيات توجه كثيرًا من الناس إلى سلوك غير سوي، وإلى مستوى غير حضاري أو أخوي أو تعاوني، تتحكم الأنانية السيئة في سائق السيارة فيوقفها “متى شاء” في الطريق العام أو في طريق ضيق مسلوك وبوضع عشوائي لا مبالاة فيه بأحد؛ وحجته في ذلك، كما تصوّر له أنانيته أنه أمام منزله أو متجره!!؛ وتنحرف الأنانية بسائق آخر فيطلق لبوقه العنان أو لمذياع سيارته الزّمام، ولو كان من حوله من ينشد الراحة والهدوء؛ ومظهر آخر أقسى ألمًا ومساءة؛ ما يندلع بين بعض الجيران من خلافات يومية أو موسمية طاحنة تشعل أوراها بينهم الأنانية وحب الذات والتنكر لحقوق الآخرين، وإذا درست أسباب لهذه الخلافات والمنازعات وجدتها لا تليق بالكبار؛ لأن مصدرها الأطفال والصغار؛ أو باعثها حب السيطرة والتحكم في الخدمات المشتركة للجميع.
إنها مشاكل صارخة ينوء بها كاهل كل مجتمع سليم؛ ولا سبيل إلى دفعها إلا بالتجرد من الأنانيات وطغيان الذات، وبالتعاون وحب الخير والاستقامة في التعامل والسلوك.
وما أجدرنا ونحن مجتمع إسلامي؛ أن نتمثل في تعاملنا وعلاقاتنا وسـلوكنا الاجتماعي والفردي بهدي الإسلام وروحه وتشريعه، وبوحي العقل المدرك القوي الذي يأبى أن تسخره الأنانية الجامحة مطيّة للسوء وإنما يسخرها هو هبة للحب والتعاطف وخدمة الناس أجمعين.

كتبها / ناصرالحربي

تعليق واحد

  1. مشاعل القصيم

    صدقت ياناصر
    كل حرف ياتي بعده حرف اقف امامه في ذهول اعجابي بقلمك كلير

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة.