الحب العذري بين التقديس والموت

الحب العذري عند العرب

ارتبطت قصيدة الحب العذرى عند العرب بالشعراء المشهورين بهذا اللون، مثل قيس وكثير وجميل وغيرهم، ومفردة العذرى تقدم لنا طابع الحب العفيف المرتبط باللهفة والشوق وحرقة الحرمان، ويعطي للمحبوبة كيان السمو ويترفع بنفسه عن شهوات الجسد، لأن المحبوبة هنا تشكل للشاعر قيمة السمو ومعادلا نفسيا للجمال فى الحياة، ولذلك ارتبطت هذه القصيدة بالحرمان والعجز.
وإذا كانت قصيدة الأطلال تتحدث عن الماضى المتهدم فإن قصيدة الحب العذري تتحدث عن الحاضر المتهدم، فمثلا يقول كثير عزة:
وإني وتهيامى بعزة بعدمــــا ** تخيلت ما بيننا وتخلت
لك المرتجى ظلَّ الغمامة كلما ** تبوأ منها للمقيل اضمحلت
لقد ارتبط الحب العذرى عند العرب بالمتهدم، لكن لماذا اختار الشاعر موقف المتهدم للتعبير عن تجربة الحب؟
إن تجربة الحب عند المتصوفة العرب تعمق الإحساس بهذا المتهدم، إذ أنها تمنحه هويته الخفية، فتسميه الفناء، لأن الحب ارتبط عندهم بالموت، فابن الفارض يقولا مثلا:
“فمن لم يمت فى حبه لم يعش به”
ويقول الحلاج:
اقتلونى يـــا ثقاتى ** إن فى قتلي حياتى
ومماتى فى حياتى ** وحياتى فى مماتى
ويقول ” دنيس رو روجمن” فى كتابه ” الحب والعرب” :” إن موسي بالنسبة للمتصوفة العرب رمز لأعظم عاشق لأنه عندما عبَّر عن رغبته فى رؤية الله فوق جبل سيناء عبَّر عن رغبته فى الموت ولقد تحول الحب عندهم إلى اسم من أسماء الموت”
ولذلك أصبح المتهدم عند الشعراء العذريين تعبيرا عن ذلك الإحساس الخفي بين فكرة الحب وفكرة الموت
وقد وعى جميل بثينة شيئا من تلك العلاقة الخفية حين يقول:
حلَّت بثينة من قلبي بمنزلــــــة ** بين الجوانح لم ينزل بها أحد
وعاذلين لحونى فى مـــــودتها ** ياليتهم وجدوا فى مثلها الذى أجد
لما أطالوا عتابي فيك قلت لهم ** لا تفرطوا بعض هذا اللوم واقتصدوا
قد مات قبلي أخو نهد وصاحبه ** مرقش واشتفي من عروة الكمد
وكلهم كان فى عشق منيته ** وقد وجدت بها فوق الذى وجدوا
إني لأحسبني أو كدت أعلمـــه ** أن سوف يوردني الحوض الذى وردوا
إن اكتشاف المتصوفة العرب العلاقة بين الحب والموت هو الطريق الذى يمكن أن يفسر لنا تلك التجربة الغريبة التي دخل في غمارها هؤلاء المتصوفة فى أن يعشقوا عشقا وهاجا عاصفا دون أن يكون هناك مؤشرًا مباشرًا.
وفكرة الحب العذري عند العرب اهتمت أيضا بتطهير نفسها من فكرة الجنس؛ فلقد جاهد الشعراء العذريون كثيرا من أجل تطهير الحب من الجنس، وهذه الحالة ترتبط ارتباطا مباشرا برمزية الحب العربي للموت،
لقد كان تطهير فكرة الحب من الإخصاب ” الجنس” تطهيرا للحب من رمزية الحياة، ولعلنا لا نذهب بعيدا حين نقول إن فكرة الجنس نفسها ارتبطت فى ميثولوجيا الوطن العربي القديمة بفكرة الموت؛
ذلك لأننا نلاحظ أن آلهة الخصب تقع دائما تحت حد الموت البشع، وهى أكثر الآلهة تعرضا للقتل والموت، فأوزوريس في أساطير وادي النيل يموت بطريقة بشعة، وكذلك تموز فى أساطير وادي الرافدين، والإله “أودون” فى أساطير الكنعانيين يقتله الإله موت، ولعلنا نلاحظ أن فكرة الإخصاب تخلصت قليلا قليلا من فكرة الموت لتبقي رمزا للحياة وحدها بعد أن انفصلت عنها فكرة الحب التى أخذت معها فكرة الموت، وربما كان لفكرة علاقة الحب العذرى بالموت صلة بتقديم رجال الدين الساميين القدماء أحب أبنائهم إلى أنفسهم للموت كما فعل إبراهيم مع ابنه إسماعيل.
ومن ناحية أخري فقد ارتبط الحب العذري عند العرب بأنه سلوك لا نفعي؛ ولذلك تعمق إيمانه بالتخلص من فكرة الجنس فان اللانفعية تعنى العفاف، ولقد ظهرت مظاهر هذه اللانفعية فى كثير من شعر الشعراء العذريين فمثلا يقول جميل بثينة:
وإني لأرضى من بثينة بالذي ** لو أبصره الواشي لقرت بلابله
بلا وبأن لا استطيع وبالمني ** وبالأمل المرجو قد خاب أمله
إن فكرة اللا نفعية التى جعلت الشاعر العربى يختار موقف الحرمان أو العجز فى تجربة لحب ذلك أن هذه المواقف وحدها تجعل من الحب فكرة لا نفعية، وقد تجسدت هذه الفكرة أيضا فى إصرار الشاعر العربي علي تأكيد فكرة عدم التقاء العاشقين، فالشاعر إما يخاطب صبية تنتمي إلى الماضي أو حبيبة بعيدة أو محجوبة عنه.
والشاعر العذري أيضًا لا يتحدث عن الحبيبة بقدر حديثه عن تجربة الحب ذاتها التى ترتبط عنده بالحرمان والعجز؛ لذلك فهو يتحدث عن مأزقه النفسي والروحي الذى لا يجد لنفسه خلاصا منه، وفى هذا المعنى يقول قيس بن الملوح:
كأن القلب ليلة قيل يُـــغدَى ** بليلي العامرية أو يُراحُ
قطاة غرَّها ” شرك” فباتت ** تعالجه وقد علق الجناح
فلا في الليل نالت ما ترجى ** ولا فى الصبح كان لها براح
وفى موضع آخر لشاعر آخر يودع حبيبته بتلك الروح التي لا تستطيع أن تفعل شيئا، أما تجربة الحب لأنهم يعتقدون أن الحب والقدر شيء واحد؛ لذلك فأمام هذا العجز ينمى تجربته بالبكاء الخفي المتصاعد فى السر، فما إن تبتعد حبيبته حتى يكون هذا البكاء هو الطريقة الوحيدة التى يمكن أن يجابه بها هذا الحب / القدر حيث يقول جميل بثينة:
ومما شجانى أنها يوم أعرضت ** تولت وماء العين فى الجفن حائر
فلما أعادت من بعيد بنظرة ** إلي التفاتا أسبلته المحاجر
إن فكرة الحب الغريبة هذه بدلالاتها الغريبة وبروحها الأسطورية الرائعة وراء فكرة الحب النبيل فى الأدب الأوربي، ووراء شعر الكوارتزى، ووراء فكرة الشعر الغزلي عند شعراء “الترابادور” فى فرنسا، كما يؤكد كثير من الباحثين، كما أن التقديس الرائع للحب عند العرب كان وراء اهتمام رجل فقيه مثل ابن حزم فى أن يضع كتابا فى الحب.

🌷💚🌷💚🌷💚🌷💚🌷💚🌷

بقلم الكاتب والأديب المصري / عبد الحافظ متولي بخيتد

6 تعليقات

  1. خالد عبد الرحمن

    ابدعت استاذنا

  2. كنت أسخر من الشعراء الذين درسنا أدبهم في مناهج التعليم
    وأزداد سخرية في وقوفهم على الأطلال ….

  3. د. نور الدين السافي

    اثرت مسالة ادبية في غاية من الروعة وقدمت امثلة متنوعة ومتعددة عنها ووددت لو كان تناولك تاويليا لا وصفيا لانك بتنوالك هذا قدمت الحب في الشعر العربي بما في ذلك الحب العذري بصورة نالت من عظمته لانك توقفت عن اللفظ والدلالة اللفظية ولم تتعداه الى المعنى العميق لان هذا الشعر يحمل معاني جميلة وعميقة مفعمة بالحياة رغم دلالة الالفاظ الدالة على المتهدم والفناء. والمسافة بين الدلالة والمعنى كبيرة جدا.
    اما وقوفك على الشعر الصوفي ففيه اشارة اخرى مغايرة لم يعجبني اقحامها في سياق شعر الحب والحب العذري لان المحبوب هنا هو الله ومصطلح الفناء في الصوفية هو منتهى الحياة لانه فناء في الحي الذي نفخ في الانسان من روحه فتشتاق الروح التي نحملها منه الى اصلها اي هو فتطلبه وتفنى فيه اي تحيى لان الفرع عاد الى اصله والله هو الحي الذي اذا فنينا فيه اشتعلت فينا نار الحية الحقة.
    اما الحلاج لما قال اقتلوني يا ثقاتي ان في قتلي حياتي وحياتي في مماتي ومماتي في حياتي
    انما قالها مخاطبا جلاديه الذي حاكموه ويريدون قتله فطلب منهم ذلك صراحة ليخبرهم بان قتله هو الحياة نفسها. فيواصل قوله بعد تلك البيت
    ان عندي محو ذاتي من اجل المكرمات. وبقاءي ي صفاتي من قبيح السيءات.
    اي ان غايته التخلص من ذاته الجسمانية ليحصل على كرامة الفناء الكلي في الله لان الروح ستعود لباريها وستتنعم برؤية وجهه الكريم.
    ان معاني الموت في الفلسفة والتصوف تعبير عن جوهر الحياة وجمالها وقوتها ويقينها ولا علاقة لها بمعنى المتهدم الوارد في اشعار الحب الاخرى
    تحياتي لصاحب المقال وللصحيفة

  4. الحب شعور سحري غامض يتسلل الى القلب في رفق وهدوء حتى يتمكن منا ويصل الى الأعماق الى حنايا الفؤاد
    فيعبث في كل الاشياء يشتت في كل الأرجاء دون خوفا او وجل لكنه في النهاية يبقي طفلا صبيا مدللا
    تحياتي وتقديري استاذنا

  5. مقال متميز سلم يراعك … وشكرا لك استاذنا وأديبنا الرائع بطول النيل وبحجم الكون ..

  6. نوال بن مشعل

    رائع واكثر من رائع

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة.