جحافل الضلال والواقع الأليم

الحضارة الراقية التي خلفتها الأمة الإسلامية والعربية حية خالدة – رغم تقادم الأجيال والأحداث – خالدة في محافلها القديمة، وفي مواطنها المتباعدة والمتقاربة، لكنها الآن – ويا للأسىف– حبيسة عند قومها، منطلقة وثابة عند قوم آخرين، أدركوا عمق التراث، ونفائس المدخرات؛ فأجادوا نيل العطاء منها وأولوها ما تستحق من دراسة، وبحث، وتنقيب، وتطوير على مدى عصور وحقب متعاقبة. وكان أجدر وأليق بهذه الحضارة البانية أن يظل انطلاقها وإشعاعها في أحفادها ووارثيها، ولكنه لم يظلّ لأسباب عديدة وجريحة أهمها: الجهلُ والتجهيلُ المسلط على هذه الأمة، والتسيد الأجنبي عليها بنفوذه، وأطماعه، وأضغانه، واستعلائه، واستكباره .

ولعل ما يُستقبل في هذا الزمان ويرجى يوقظ النيام ويعيد الحق إلى رحابه ويدفع الأجيال والعقول المستكينة الآن إلى تجديد العهد والميثاق والذمم؛ لتستعيد الأمجاد السليبة؛ وتقود الموكب الحضاري مثلما كان، بأمانة الصادقين، وعزائم المخلصين الأوّابين.
والتاريخ الإسلامي يُبين بأمانة وإنصاف للمستطلعين والباحثين فيه بأن الحضارة العربية الإسلامية قامت في أول مطافها على قواعد ومباديء منظمة ترتكز على مواصلة البحث، وحب الاطلاع والاستطلاع، والتكيـف الاجتماعي والإنساني مع سائر الأمم والشعوب، تقود هذه المباديء وتدفعها قوة روحية مؤمنة، وقوة مادية مصلحة؛ تؤديان رسالتهما في الحياة وللأحياء بكفاءة، وعلم، وإخلاص، وقيادة حكيمة رحيمة، إلى مواطن الخير والإصلاح والأمان. وكان للقوتين المصلحتين شأن كبير؛ حيث قادتا أمتهما إلى النصر والسيادة؛ وحققت لها العزة والتمكين والاستخلاف في الأرض إلى أن هزمت تلك المباديء المُصلحة جحافل الضلال ومعاقل الشر والفساد!!.
ويرث هذه الأرض المباركة جيل بعد جيل وتبدل المباديء والقيم بمباديء وقيم مستوردة مضللة، وتعود معالم الحضارة المشرقة تندب حظها بين أهلها وأرضها وديارها، ويجد الإنسان الوارث لها نفسه في واقع باكِ أليم؛ يلفه الضعف وتزدريه المذلة والهوان .. وما ذاك من قلة في العدد والمدد والإنفاق والإمكانات، ولكن من قلةِ وخسارِ في الغايات والأنفس والاتجاهات، ومن هنا كانت القوتان الروحية والمادية صمام أمان وسلام – في علم تقويم وتثبيت الحضارات – تحفظ المكتسبات والتراث، وتحمي مصالح الأمم، وتستبقي الأمجاد والمدخرات.
والواقع العربي والإسلامي يجتازُ الآن مراحل قاسية من التخلف، والمحن، والفتن، والمشكلات أقصته وأنسته مكاسبه الحضارية والقيادية؛ بسبب البعد عن مقومات الحضارة السابقة وبفعل التسلط الأجنبي وقيادته الضالة له، وهو مع هذا الواقع الأليم يحاول العودة بخطى وجلة؛ لتلمس الطريق السوي التي توصله إلى مكانة علمية وروحية؛ يعبر بواسطتها إلى الغاية المرجوة؛ وإلى الموقع الحضاري اللائق 

ولا شك بأن للقوة الروحية والعلمية تأثيرًا ومضاء لا يمكن الاستهانة به أو التقليل من شأنه؛ إذا كانت له القيادة والريادة، من قبل لكنّ جراح الأمة موجعة وقاتلة تتطلب مهارات طبية ووسائل علاجية فائقة تضمن لها – بإذن الله وقوته – الشفاء الكامل والمنعة البشرية الغلابة. فلا يجوز أن يقتصر تحرير الواقع العربي والإسلامي القائم الآن على الدعاية والإعلام، ولكن يتحتم أن تبرز قوتان أخريان إلى الميدان هما الكفيلتان بحسم الموقف، وانتزاع الحق، واسترداد المجد، واقتلاع الجذور المتعفنة في التربة العربية والإسلامية، قوتان لا محيد عنهما في الميدان الرهيب وهما: قوة الإيمان الروحي الراسخ، وقوة السيف التكنولوجي القاطع .
وقديما قرر أبو الطيب المتنبي لأمته أن استرداد المجد يتم بالقوة المادية قائلاً :«المجد للسيف ليس المجد للقلم»
وتجاهَلَ أن القوة الروحية العلمية بجانب القوة المادية هما وحدهما وسيلتا النصر والمجدِ والفتح المبين – بتوفيق الله وهداه –.

* كتبها / ناصر الحربي

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة.