الشماعية.. مدينة الأمراء التي تحولت إلى أطلال

تقع مدينة الشماعية المغربية في الجزء الغربي من إقليم اليوسفية، على المحور الطرقي الرابط ما بين مدينتي أسفي ومراكش من جهة، ومدينتي اليوسفية وشيشاوة من جهة ثانية، تبلغ مساحتها 30 كم مربع وعدد سكانها 41.859 نسمة حسب آخر إحصاء أجري في العام 2014 أغلبهم من قبيلة أحمر.

المنطقة تعتبر خزانًا هامًا لمادة الحليب واللحوم الحمراء، بمساحة صالحة للزراعة لا تزيد عن 279 ألف هكتار، وبمناخ شبه جاف، إذ أن معدل التساقطات المطرية لا يتجاوز 222 ملم وهو ما دفع بالسكان إلى الاعتماد على زراعة الحبوب والقطاني وتربية الماشية والغنم منها على الخصوص.

استطلاع: زياد القصابي/ المغربقرية كبيرة

يحلو لبعض سكان الشماعية أن يطلقوا على مدينتهم اسم “القرية الكبيرة”، والسبب في ذلك يعود إلى كونها مدينة بلا أشجار، ولا حدائق، ولا طرق معبدة، أو مساحات خضراء، فقط شارع يتيم تحيط به أزقة تغمرها المياه والأوحال شتاءً وتملؤها الأحجار والأتربة والأزبال والقاذورات صيفًا؛ لتنبعث منها رائحة كريهة ونتنة تزكم أنوف المارة والراكبين على السواء.

المدينة، التي كانت تسمى في السابق بـ”القصبة الاسماعيلية” وكانت ترابط بها حامية عسكرية تمدها قبائل أحمر بالمؤونة من أجل صد جنود “البرتقيز” الذين كانوا قد توغلوا انطلاقا من أسفي نحو أحواز مراكش، تحولت اليوم إلى مرتع للإجرام والتسول والكلاب الضالة والبناء العشوائي والعربات المجرورة والإتجار في مختلف أنواع المخدرات بسبب الغياب غير المبرر لمفوضية الشرطة.

أوضاع مزرية أجبرت ساكني المنطقة للخروج إلى الشارع من أجل الاحتجاج ضد التهميش والإقصاء وبطالة أبنائها والغياب التام للبنية التحتية فلا مستشفى ولا مراكز ثقافية أو اجتماعية ولا فضاءات للترفيه، فقط مستوصف وحيد يفتقر للأدوية وللعديد من المعدات والأجهزة.

وتحدث المحتجون في بيان لهم عن الانفلات الأمني غير المسبوق الذي تعرفه الشماعية والمتجلي في انتشار ظواهر اجتماعية لا أخلاقية كالسرقة والسطو على ممتلكات المواطنين والمخدرات، إضافة إلى الفوضى العارمة في مجال السير والجولان التي كانت سببًا في إزهاق أرواح المواطنين الأبرياء، مطالبين الجهات المسؤولة بإحداث مفوضية للشرطة، خاصة وأن المديرية العامة للأمن الوطني سبق أن اتخذت قرارا بإحداثها بالمدينة ووفرت لها جميع الوسائل لافتتاحها بعدما تلقت سلسلة من المراسلات من قبل المجلس البلدي خلال أعوام 1998 و2000 و2007.

مركب سوسيو رياضي للقرب

ولولا المركب السوسيو رياضي للقرب المندمج، الذي تم تدشينه العام الماضي وبالضبط يوم 29 يوليوز 2017، لما استبشر الناس خيرًا، ولظلت أجواء الكآبة والأسى والحزن تخيم على المدينة.

وتطلب إنجاز هذا المركز، الذي يمتد على مساحة إجمالية تقدر بنحو 3000 متر مربع، غلافا ماليا بقيمة 2834.421.60 درهم ويتضمن على الخصوص، ملعب متعدد التخصصات، وآخر خاص بالكرة الحديدية للاستئناس، وقاعة للرياضة لمختلف الأنشطة الرياضية (الأيروبيك وفنون الحرب …)، مقصف، ومستودعين للملابس، الأول خاص بالذكور، والثاني خاص بالإناث.

ويدخل تشييد المركز السوسيو رياضي للقرب الشماعية ضمن استراتيجية وزارة الشباب والرياضة الرامية إلى توفير فضاءات الترفيه والتنقيب عن المواهب الشابة، وينتظر أن تساهم هذه المراكز في اكتشاف مجموعة من المواهب الرياضية.

ويروم هذا المركب الذي أنجز وفق تصور جديد يهدف إلى ضمان التقريب بين ممارسة الرياضة ومجموعة من الأنشطة الاجتماعية والتربوية، على تعزيز وتقوية وتوفير بنية تحتية سوسيو رياضية للقرب، وكذا للتشجيع على الممارسة الرياضية لدى سكان مدينة الشماعية.

دار الأمراء

الدار التي تقع بحي الدربالة وتسمى أيضا بـ”المدرسة الأميرية”، ستظل شاهدة على الدور الذي كانت مدينة الشماعية تلعبه في فترة من الفترات وتحديدا في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله، الذي حكم المغرب ما بين عامي 1757 و1790.

كان الأمير محمد بن عبدالله يزور بين الفينة والأخرى مدينة آسفي وضواحيها، وهو ما جعله يوطد علاقته مع أعيان وعلماء وفقهاء المنطقة، ويعتبر الفقيه هدي بن الضو الحمري أحد هؤلاء الفقهاء، إذ استطاع بنباهته ونجابته العلمية وتفقهه في الدين أن ينال إعجاب وثقة الأمير.

ولما استتب أمر الحكم للسلطان سيدي محمد بن عبد الله، دعا الفقيه هدي بن الضو وطلب منه تخصيص أرض بمدينة الشماعية من أجل بناء دار لإقامة وتعليم أبناء السلطان وأمراء الدولة وتفقيههم في الدراسات الشرعية والعلوم القرآنية والحديثية والمتون اللغوية والنحوية، إضافة إلى تدريبهم على الرماية وركوب الخيل دون سروج؛ والهدف تعويدهم على العيش الخشن بعيدًا عن رفاهية القصور والحواضر.

ويشير الباحث المصطفى حمزة صاحب كتاب “مدرسة الأمراء بالشماعية معلمة عمرانية وحضارية لبادية آسفي” إلى أن السلطان محمد بن عبد الله بن إسماعيل (من 1710 إلى 1790)، اختار للمدرسة منطقة “أحمر” وهي منطقة كثيبة وخالية من الماء ومن الشجر ومن الفلاحة، ليعطي درسًا لأبنائه الأمراء، بعد القلاقل التي عرفتها البلاد، جراء تمرد ابنه اليزيد، على حكمه، وبعد التحكم في زمام الأمور، فكر السلطان الذي حكم المغرب أزيد من 40 عاما في سياسة تربوية قاسية وصارمة لأبنائه الأمراء.

تقول رسالة بعثها السلطان مولاي عبد الرحمان بن هشام (توفي عام 1859) إلى أحد قواده، إن الهدف من اختيار السلطان عبد الرحمان لمنطقة قاحلة لتربية أبنائه هو “الدفع بهم (أي الأمراء) إلى تحمل الحياة القاسية والتخلي عن اللباس الرفيع وملذات المائدة، لم يقتصر الأمر على هذا الحد من الصرامة، بل يأمر السلطان، في الرسالة نفسها، القائد بالتشدد معهم، حتى في الأكل “أعطهم الأكل الذي يتناوله في غالب الأحيان سكان المنطقة مثل الذرة والسورغو وأشياء مشابهة لهما، لا يجب أن يشربوا الشاي إلا في أيام الراحة مثل يوم الخميس”.  

لكن بعد وفاة السلطان سيدي محمد بن عبد الله توقفت المدرسة لما يزيد على النصف قرن عن أداء مهامها، إلى أن تولى العرش السلطان المولى الحسن الأول الذي كان طالبا بها، حيث أمر بتوسيع بنايتها وتحسين ظروف الاستقرار بها، وقام بإرسال أبناءه مع عدد من الأمراء من أجل الدراسة والتحصيل العلمي على يد فقهاء معظمهم ينتمون لمنطقة أحمر.

دور هذه المدرسة لم يكن منحصرا في الدراسة فقط، بل توسع ليحول الدار إلى فضاء لعقد الندوات والمحاضرات والملتقيات والمناظرات العلمية بين العلماء من داخل المغرب ومن خارجه، بحيث كان يزور هذه الدار علماء من حاضرة فاس ومكناس ومراكش وسوس وغيرها من الحواضر، لكن بوفاة المولى الحسن الأول فقدت هذه المدرسة توهجها ودخلت بشكل رسمي إلى غياهب النسيان، وتحولت إلى مجرد أطلال بعدما تكالب عليها الزمن وطالتها معاول الهدم والتخريب والإهمال؛ حتى تهاوت نقوشها وحيطانها وأسوارها؛ وأصبحت تستقبل الأوساخ والنفايات والمتلاشيات بعدما كانت ذات يوم تستقبل علية القوم من الأمراء والأعيان والعلماء.

 

5 تعليقات

  1. مدينة رائعة ..تشتم منها عبق الماضي والحاضر

  2. موضوع رائع كالعادة

  3. ممتاز بالتوفيق

  4. رائع استاذ القصابي معلومات وفيرة

  5. استطلاع موفق.هناك تناسب بين الصور وفقرات المقال.مزيدا من المقالات حول يتيمة المدائن لعل ضمير المسؤولين يستيقظ.

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة.