حوار ناري مع المستشار الإعلامي (نزار الحرباوي) عن المرأة بين يومها وغدها

حوار لاتنقصه الصراحة والرأي الجرئ والمحنك في كل ما ذكره، سعادة الدكتور والمستشار الإعلامي التركي/ نزار الحرباوي .. يسعدنا في صحيفتنا هتون نشره ليضاف لما نشرناه سابقًا من حوار معه.

حاورته: لبنى عبد العظيم

بعد أن تتبعت المسيرة الإعلامية للنجم الإعلامي الفلسطيني التركي، واطلعت على العديد من البرامج التي قدمها على أكثر من شاشة عربية، وظهوره الإعلامي كمستشار سياسي حينًا، وكمحلل سياسي حينًا آخر، وكاتب وشاعر ومؤلف تارةً، وأكاديمي ومدرب تارة أخرى، اختلطت عليّ الأمور بالفعل، ورغبت بلقاء هذه الشخصية الفذة؛ حتى أعرف حقيقة ما يقال عنه؛ وحقيقة قدراته الذاتية؛ ولأرى هل هذه الشخصية من ذوي الشهادات المزورة والإعلاميين الذين ملؤوا الدنيا، وتمت صناعتهم لرحلة معينة، أم هي شخصية تستحق الثناء بالفعل.

لست راضيًا عن الواقع الذي تعيشه المرأة العربية بتاتًا

وبعد لقاء مستفيض مع المستشار المميز فعلاً بروحه وثقافته، وحيويته، وتعدد نشاطاته، تركت شهادتي الدكتوراة التي يحملهما، والألقاب والمسميات الكثيرة التي تنتشر شهاداتها في مكتبه، لأتحدث معه عن أمر واحد يهمني ويهم المرأة العربية عمومًا، وهو نظرة النجوم الإعلاميين من أهل التخصص وأهل الخبرة لواقعنا نحن كنساء وفتيات نعيش في هذا العالم المليء بالغيوم والضباب والمشاكل.

بداية بنعم أم لا .. هل أنت راضٍ عن واقع المرأة العربية اليوم؟

لا، لست راضيًا عنه بتاتًا، لا صورة ولا إدارة ولا توجهًا.

س: حيث أنك تحمل شهادة الدكتوراة في الإعلام، والدكتوراة الثانية في العلوم السياسية، أين هي المرأة في المرحلة الحالية برأيك؟

المرأة العربية اليوم هي في مرحلة الأزمات المتعددة التي تلاحقها من كل زاوية، فلا هي في مرحلة استقرار لتصوغ مؤسساتها المستقرة، ولا هي في مرحلة الاستعداد للتكتل والعمل الجماعي في ظل الاستبداد والفساد والحروب والنزاعات والجهل المجتمعي، ولا هي قادرة على إحداث الاختراق اللازم للواقع؛ لكونه قاسيًا بالفعل على مستوى دول بكاملها، وتحميل المرأة تبعات الواقع ومطالبتها بإثبات ذاتها فيه في وقت تعجز فيه تيارات سياسية كبرى، ودول بكاملها على الإبداع أو الثبات أو الاستقرار، مبالغ فيه برأيي، ومن الأجدى الحديث بموضوعية لا بعاطفة بهذا الصدد، لا سيما مع النساء أنفسهن.

س: ما هي مكانة المرأة لدى الإنسان العربي؟

المرأة في الثقافة العربية التي هي بالأصل مستمدة من الدين الإسلامي الحنيف لها مكانة عالية محترمة ومقدرة، حتى ولو لم يستطع كثير من الرجال التصريح بذلك، فكل رجل في هذه الدنيا مدين لعدد من النسوة بحياته وثقافته وراحته واستقراره، أمه، زوجته، بناته، أخواته، والأهل من العمات والخالات والجدات، فكلهن صغن جزءًا من تكوين كل ابن أنثى، وكلنا ابن أنثى، لذلك؛ فمكانة المرأة عمومًا مصانة في السياق الأسري، أما في السياق العملي الحياتي فهذا شأن آخر؛ فالمرأة العربية سياسيًا ليس لها الحضور الحقيقي الفاعل المؤثر، وفي الميدان الإعلامي، من النادر أن نرى امرأة لها أثر فعلي في صناعة التوجهات المجتمعية، والتأثير المجتمعي الإيجابي، في ظل كثرة وانتشار العنصر النسائي بشكل واضح في كل مؤسسات ومنابر الإعلام بكل تفرعاتها ومجالاتها، ومع أن النشاط المؤسسي النسائي قد شهد تقدمًا واضحًا في السنوات العشر الأخيرة، إلا أن هذه المؤسسات عاجزة بالفعل عن التكتل المؤسسي، أو بناء اللوبيات الضاغطة، أو تشكيل المؤسسات الريادية، واسمحي لي أستاذة أن أتكلم بصراحة هنا، فلدي على قوائم الأصدقاء المئات من مجموعات نساء الأعمال والمؤسسات النسوية، والفعاليات التي تحمل أسماء وألوان متعددة، بل وديانات وملفات تنفيذية متعددة، ومع ذلك، لا تستطيع هذه التجمعات إبرام اتفاقيات إلا بعد الحصول على التراخيص السياسية، والتمهيدات السياسية، والأذونات والتدخلات الخاصة من الرجال على اختلاف مناصبهم ومسميات مراكزهم، لتوقيع اتفاقية ما أو تفعيل برنامج معين، وهنا مشكلة كبيرة بالفعل.

للمرأة مكانة عالية محترمة ومقدرة مستمدة من الدين الإسلامي الحنيف
س: تشخيص جميل أشكرك عليه، لكن ما هي المكانة الحقيقية التي يمكن للمرأة أن تكون عليها؟

مكانة المرأة الحقيقية هي المكانة التي تختارها هي، فهي شريكة الرجل في بيته، وهي شريكته في الحياة وعمارة الأرض وصناعة الإنجاز، وهي مسؤولة بقدره عن واقعها ومستقبل شعبها، وهنا لا ننسى أن النماذج المعاصرة، كالمرأة اليابانية والألمانية بعد الحروب، أو النماذج القديمة والتاريخية مليئة بمئات النماذج الإيجابية عن عطاء المرأة وقدراتها الحقيقية التي يمكن لها أن تقودها باحتراف وتميز.

س: الأزمات والثورات .. هل أفقدت المرأة العربية مكانتها أم عززت من حضورها؟

ما نعيشه في واقعنا اليوم بكل أسف أفقد الشباب العربي عمومًا، الأمل بالمستقبل، والمرأة جزء من هذا المجموع العام، وتعاظم التضحيات والمآسي التي شهدناها بسبب الضياع العربي والفرقة والاختلاف، وضياع البوصلة لدينا، جعل من الهجرة عبر البحار والبلاد الغربية والعيش تحت القصف وترتيب أمور الأسرة في ظل التحديات الاقتصادية والأحوال المعيشية القاسية والتعاطي مع الأزمات النفسية والضغوط السياسية قد وضع المرأة في موقف صعب للغاية، وأثر على دورها وخياراتها سلبًا بشكل ملحوظ.

س: هل ترى أن الأنظمة السياسية معنية بتفعيل دور المرأة أم أن ذلك مجرد شعارات وآراء للاستهلاك المحلي في فترات الانتخابات؟

ثبت بالتجربة على مدار عقود من الزمان أن كل الأنظمة السياسية استغلت المرأة ولم تصنع مكانتها، فالمرأة تمنع من ممارسة حقها السياسي والدستوري في عالمنا العربي بشكل رسمي، مع أن كل القوانين تنص على حقها بذلك، ولكن الظروف القمعية السائدة والتفكير القاصر، وخوف كثير من النساء لأسباب متعددة من الخوض في الغمار النهضوي البناء في مجتمعاتهن قد أوجد حالة من الفراغ الفعلي لحضور المرأة المؤثر  فرغم تصدر العديد من النسوة للعمل الإعلامي وإدارة المؤسسات إلا أن المرأة لا زالت تُطرح في برلمانات العالم العربي ضمن نظام الكوتا، ولا زالت الأحزاب السياسية والدول والحكومات تستغل اسم المرأة وحضور بعض الشخصيات في المواسم الانتخابية، ولا زالت المرأة العربية عمومًا محتاجة لبلورة رؤيتها الذاتية لما تريده، فالخلل الموجود ناجم عن افتقاد المرأة العربية برأييلرؤية مستقبل العمل النسوي، ومع أن الساحات العربية تضج بمؤسسات نسوية ناجحة وشخصيات نسوية ناجحة، إلا أن العمل الفردي، والارتجال، والخوف من التفاوض والمشاركة، ووجود حالات الغيرة النسائية – إن سمحت لي باستخدام هذا المصلح تمثل حالات تهدد هذه النجاحات، وتمنع من انتشارها وتعزيز مكانتها وصولاً لشكل هرمي أو لوبيات ضاغطة، أو مؤسسات تنسيقية تشبيكية دولية على مستوى قوي ومؤثر، والبعض لا يأخذ حكم الكل.

خوف كثير من النساء أوجد حالة من الفراغ في دورهن الاساسي في البناء
س: المؤسسات النسوية الناجحة في البيئة العربية هل هي حالات خاصة كما ذكرت آنفًا  أم نموذج للنجاح يمكن أن يبنى عليه؟

سؤال ذكي؛ أهنئكم عليه، هذه الحالات من النجاح النسوي الفردي لنسوة وفتيات مبدعات رائدات في مجالات الاقتصاد والإعلام والفكر والحضور السياسي والمؤسسي هي منطلقات إيجابية يجب البناء عليها، فهي أساس قائم، وتجارب منفذة، وخبرات ينبغي احترامها، وشخوص لا بد من توقيرها والاعتزاز بوجودها في كل المجتمعات، ولكن النموذج الفردي يبقى فرديًا، إن لم يصبح سياسة عامة، وتوجهًا مجتمعيًا، وعالمنا العربي ليست لديه مشكلة إطلاقًا في النجاحات الفردية وحالات التميز لمؤسسة بعينها، المشكلة برأيي أن يتم بناء منظومة من العلاقات المؤسسية النسوية الريادية لصناعة التوجه المجتمعي باتجاه تصورات المرأة العربية، وتحقيق مكانتها بنفسها، دون أن تنتظر التقدير أو الاعتراف بحقها ومكانتها ودورها من حكومة أو حزب أو شخصية مهما كانت منزلتها.

س: ما المطلوب اليوم برأيك لتعزيز مكانة المرأة؟

باختصار شديد، أدعوا الفتيات اليوم والمرأة عمومًا لزيادة رصيدهن من العلم العصري، والتركيز على المعرفة والأرقام؛ للانطلاق في بيئاتهن الذاتية، فلسفيًا ومنطقيًا. المرأة شخصية اعتبارية شأنها شأن الرجل، وما نجح فيه الرجل يمكن للمرأة أن تنجح فيه، لكن على المرأة اليوم برأيي أن تركز على آخر ما توصلت إليه العلوم العصرية، والاعتماد على الكفاءات التخصصية، وبناء الرؤى قبل الانطلاق، ومن لازم القول أيضًا، التشديد على أنها جزء من المجتمع، وعليها أن تؤمن بذلك بداية، كما عليها أن تؤمن بأن المجتمع هو الحاضن الأول لنجاحها المستقبلي، وعليها أن تقيم الدراسات التخصصية والأكاديمية والتكوينية لبحث آليات تطوير فرق العمل، فهذه مرتكزات أساسية في الإدارة العصرية، والنجاح منتج وقرار.

أشكرك جدًا؛ على هذا الحوار الصريح، واسمح لي أن أطلب منك رسالة ختامية للمرأة العربية، ماذا تقول لها؟

أقول لها: إنك قادرة على النجاح كفرد في مجتمعك، ولكنك اليوم أمام سلسلة من التحديات تجعل من نجاحك الشخصي جزءًا من متطلبات الواقع، ومرحلة من مراحل الإبداع العام، فإذا آمنت بالعلم، وكنت قادرة على التعاطي مع فرق العمل التخصصية، وبانت أمامك سبل التفاعل مع مجتمعك فيما يهمك من توجهات، فأطلقي قرار الانطلاق ولتشملك روح المبادرة الإيجابية، شعوبنا اليوم تأكل من الطعام الغث والسمين، لكن الأم ترفض إطعام أطفالها هذه الأنواع الفاسدة من الطعام، ومن كانت قادرة على التمييز بين الغث والسمين في بيئتها الصغيرة، أنا أؤمن أنها قادرة على حماية مجتمعها مما قد يضره ويقوده للتيه. هذا أنت أيتها المرأة، أنت مفتاح التغيير لكل الواقع البائس، إذا قررت أن تكوني أنت.

 

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة.