طالبوا اللجوء الأفارقة بين فكي كماشة

جاءوا مشيًا على الأقدام بعدما قضوا شهورًا وأيامًا بلياليها في العراء صيفًا وشتاءً، وتذوقوا مرارة الجوع والعطش والحرمان من كل شيء، اجتازوا الصحاري والوديان والغابات المخيفة، واقتربوا في أكثر من مناسبة من الموت المحقق.

تحقيق: عبدالرحمان الأشعاري

السلطات المغربية لا تفرق بينهم وبين المهاجرين السريين الذين يجعلون من المغرب فقط نقطة عبور نحو القارة العجوز، إذ يتم إبعادهم خارج الحدود، وتتعرض وثائقهم للتمزيق والإتلاف لتعود كل المجهودات التي بذلوها في تسوية أوضاعهم القانونية داخل المغرب إلى الصفر.

معاناة الأفارقة

من المشاهد التي تشد الإنتباه في شارع فاس بحي حسان بالعاصمة الرباط، مشهد حشد كبير من الأفارقة ذكورا وإناثا بعضهم مصحوبا بأطفال صغار يكتوون بنار أشعة الشمس الحارقة ويتدافعون أمام بوابة إحدى البنايات.

المشهد يثير الاستغراب ويطرح أكثر من علامة استفهام، خاصة وأن البناية التي يرابط حولها هذا الحشد من الأفارقة المتحدرين من دول جنوب الصحراء لا تحمل أي علم وطني أو رمز أي هيئة وطنية أو دولية، ولا توجد ببابها أية لوحة تبين ماهيتها وهويتها، اللهم بعض الوثائق المعلقة في مدخلها والمكتوبة باللغة الإنجليزية، وما أن تستفسر أحدهم حتى يأخد نفسه العميق ويبادر إلى القول: “إنه مكتب المفوضية العليا للاجئين التابع لهيئة الأمم المتحدة الذي من المفترض أن يفتح أبوابه في وجوهنا ويخصص لنا مكانا للاستقبال؛ باعتبارنا لاجئين عوض أن يتركنا عرضة للإهمال واللامبالاة”. 

المتتبع لهذا المشهد يستغرب كيف يمكن لهذا المكتب التابع للأمم المتحدة Nations Unies أن يقوم بدوره كاملا، وهو لا يستمع لشكايات هؤلاء المهاجرين ولا يقيم لهم أي اعتبار، وحتى إذا نظر في ملفاتهم كخطوة أولى لتسوية وضعهم القانوني وتمكينهم من صفة لاجيء، وبالتالي حصولهم على بطاقة الإقامة، فإن نظره لا يكون بالشكل المطلوب.

يقول “فابيان” أحد المتضررين من المنتظرين للحصول على صفة لاجيء، وهو موظف سابق في النظام السابق لدولة الكونغو الديمقراطية (زائير سابقا): “هناك فعلا مشكل ما في هذه المؤسسة التي لا تستجيب لمتطلباتنا ولا تخصنا بأي اهتمام، ليس هناك نظام ولا قاعة للاستقبال للوقوف على مشاكلنا، كلما حاولنا الاستفسار عن مصيرنا ومصير طلباتنا أو نريد أن نقابل مسؤولا ما، إلا ونواجه باللازمة المعهودة – إنهم في اجتماع -. هل يظل الاجتماع طيلة اليوم؟ وعلى ماذا يجتمعون إذا لم نكن نحن موضوع الاجتماع؟ هل هذه الاجتماعات لا تنتهي؟ إذا لم تكن هناك رغبة في دراسة ملفاتنا وإيجاد حل لمشاكلنا فمن الأفضل أن يرحلونا إلى بلد آخر تحفظ فيه كرامتنا ويعترف بنا كلاجئين”.

الأفظع من ذلك أن أحد طالبي اللجوء “نيلسون” سبق أن حصل على صفة لاجيء من مكتب المفوضية العليا للاجئين بالعاصمة السينغالية داكار، ومع ذلك وجد صعوبات كبيرة في الحصول على نفس الصفة من مكتب اللاجئين الأممي الكائن بالرباط تمكنه من بطاقة الإقامة وتحميه من مطاردة أجهزة البوليس والدرك، لماذا هذا التناقض؟ وما مرد هذا الارتباك الحاصل في إدارتين تابعتين لهيئة واحدة هي منظمة الأمم المتحدة، كما أن شروط الحصول على صفة لاجيء من مكتب دكار هي نفسها المسطرة في مكتب الرباط؟

تقرير أمنيستي

التقرير السنوي الأخير لمنظمة العفو الدولية، يقول أن السلطات المغربية ألقت القبض على مجموعة من الأشخاص المشتبه في أنهم مهاجرون بصفة غير قانونية، وأبعدتهم إلى خارج الحدود، وأفادت الأنباء – يقول التقرير- أنها واصلت كذلك المشاركة في عمليات إبعاد مهاجرين وطالبي لجوء من مدينتي سبتة ومليلة المحتلتين من طرف إسبانيا، إلى المغرب، كما واصلت استخدام القوة المفرطة أو غير الضرورية ضدهم، مشيرا إلى أن المحاكم المغربية أصدرت أحكاما بالسجن على عدد من المهاجرين بتهمة دخول الأراضي المغربية أو الإقامة فيها أو الخروج منها بصورة غير شرعية، وكان من بينهم أشخاص سبق أن تقدموا بطلبات لتقنين أوضاعهم، وفي بعض الحالات حوكم البعض بالسجن دون السماح لهم بالاستعانة بمحامين.

هبة مرايف، مديرة برنامج الشرق الأوسط شمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية، في تقرير آخر صدر أخيرا، وصفت الحملة التي تشنها السلطات المغربية ضد آلاف المهاجرين واللاجئين من جنوب الصحراء بـ (حملة قاسية، وغير قانونية على حد سواء)، مشيرة في تقرير آخر صدر أخيرا إلى أنها تمثل انتكاسا يثير القلق من قبل حكومة قدمت في عام 2013 التزامات جديدة بشأن سياسة اللجوء، والهجرة لجعل المغرب بلدا يمتثل للمعايير الدولية”.

ونقلت أمنيستي عن إحدى الجمعيات الأهلية (الجمعية المغربية لحقوق الإنسان) أن “المداهمات الأمنية اجتاحت، منذ شهر يونيو/حزيران الماضي، ما يقدر بخمسة آلاف شخص، كدسوا في الحافلات، وتركوا في مناطق نائية قريبة من الحدود الجزائرية، أو في جنوب البلاد”.

وناشدت مرايف السلطات المغربية بأن “توقف هذه المداهمات التمييزية، وأن تفي بالالتزامات الإيجابية، التي تم التعهد بها خلال السنوات الخمس الماضية لاحترام الحقوق الإنسانية للمهاجرين، وللمضي قدما، يجب أن تعتمد قانونا للجوء يحدد الإجراءات والحماية الصحيحة بما يتماشى مع القانون الدولي”.

وقالت “أمنيستي” في تقريرها إن الأجهزة الأمنية المغربية داهمت، واعتقلت بشكل تعسفي، ما يقدر بنحو 150 شخصا منحدرين من جنوب الصحراء في طنجة قبل نقلهم إلى المدن الجنوبية حيث تركوا هناك، وأبلغ الفرع المحلي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان منظمة العفو الدولية أن المهاجرين اعتقلوا بعد أن بدؤوا احتجاجا صغيرا أمام القنصلية الإسبانية، مطالبين بالحرية للمهاجرين من جنوب الصحراء في المغرب.

وأكدت منظمة العفو الدولية فرع المغرب، أنها حصلت على معلومات بشأن حملة المداهمات الجارية، تفيد أن السلطات اعتقلت المهاجرين، وطالبي اللجوء، واللاجئين دون التحقق من وثائقهم القانونية، واحتجزتهم لساعات قليلة، وأخذت بصماتهم، ثم أرغمتهم على ركوب الحافلات”، مفيدة أنهم كانوا مكبلين بالأصفاد، أو في بعض الحالات كانت أيديهم مقيدة بالحبل، وهُجروا قسرا إلى مناطق نائية قريبة من الحدود الجزائرية، أو في المناطق النائية الجنوبية القريبة من تزنيت، والرشيدية، وبن جرير، وبني ملال، ومراكش.

وحسب وكالة الأمم المتحدة للاجئين في العاصمة الرباط، فقد نقل، خلال الأحداث الأخيرة، ما لا يقل عن 14 طالب لجوء، وأربعة لاجئين مسجلين في المغرب قسرا إلى جنوب البلاد، مستدلة بحالة إحدى اللاجئات في طنجة، التي اعتقلت، في 7 من شهر غشت الماضي، في طنجة، مع ابنها البالغ من العمر سنة واحدة، وأُرغما على ركوب حافلة، قبل أن يطلق سراحهما فيما بعد.

التقرير ومن خلال هذه الفقرات، يسجل باقتضاب معاناة اللاجئين الأفارقة مع السلطات المغربية التي لا تفرق بينهم وبين المهاجرين السريين القادمين من دول جنوب الصحراء؛ بحيث تنفذ في حقهم قرار الاقتياد إلى الحدود المستمد من قانون مكافحة الهجرة السرية، على الرغم من أنهم يحملون صفة لاجئين.

يحدث ذلك على الرغم من أن السلطات الإدارية المغربية مكنت في الفترة الأخيرة العديد من طالبي اللجوء من بطاقات الإقامة كما تنص على ذلك المادة 17 من قانون الهجرة، حيث يتم تسليمها مباشرة لكل مهاجر حاصل على صفة لاجيء؛ تطبيقا للمرسوم الصادر في 2 صفر 1377 الموافق لـ9 غشت/أغسطس من سنة 1957، بتحديد كيفية تطبيق الاتفاقية المتعلقة بوضعية اللاجئين المبرمة بجنيف في 28/06/1951، وكذا إلى الزوجة والأولاد القاصرين.

 استجداء المارة

يحدث ذلك على الرغم من أن اتفاقية جنيف الموقعة سنة 1951 تلزم المفوضية العليا للاجئين بتوفير المسكن، والمأكل، والملبس، والأمن، للاجئين، غير أن لاجئوا المغرب من الأفارقة وأمام تنصل المفوضية العليا من هذا الالتزام يجدون أنفسهم محاصرين بلا عيش ولا أية موارد مالية تمكنهم من الوصول إلى قوتهم اليومي؛ ما يدفعهم إلى استجداء المارة واستعطافهم لإمدادهم بالمال حتى يتدبروا أمورهم في انتظار القادم من المستجدات.

ويتعاطى اللاجئون الأفارقة للتسول بعد استنفادهم لجميع إمكانيات البحث عن مورد رزق، يحفظ لهم كرامتهم ويضمن لهم قوتهم اليومي، ولا يتسولون؛ إلا لسد الرمق واكتراء محلات يبيتون فيها تقيهم حر الصيف وقساوة البرد، ويتكدسون في غرف متواضعة في أحياء عشوائية أو في دور الصفيح، تضم حوالي عشرون شخصا أو أكثر، ويوزعون بينهم الأدوار، فهناك من يتكلف بالطبخ والتنظيف وترتيب الغرفة، والباقون ينتشرون في الأحياء من أجل استعطاف المارة.

عن لجوءه إلى التسول يقول “ماديبو” لاجيء من الكونغو الديمقراطية: “التقيت ببعض المهاجرين الذين سبقوني إلى هنا، وقبلوا أن أقاسمهم غرفتهم التي يتكدس فيها الجميع، حوالي اثنى عشر فردا، لكن في المقابل طلبوا مني توفير بعض الأموال. في البداية بدأت أصاحب شابا إفريقيا آخر، أتعلم منه كيف أطلب من المغاربة الصدقة، ويعرفني على بعض الأحياء والأزقة التي يمكن أن تكون مجالا لعملي، وبعد مدة تعلمت كيف أحصل على بعض المال، وشرعت في تدبر أمري وحدي”.

نفس كلام ماديبو يكرره الشبان الآخرون الذين وجدوا أنفسهم في وضعية لا يحسدون عليها في المغرب، بحيث فروا من المعاناة ليجدوا أنفسهم وجها لوجه أمام معاناة من نوع آخر.

ومما يزيد أوضاع هذه الفئة من اللاجئين تعقيدا – استنادا إلى أقوالهم- هو الاهتمام المحدود جدا في الزمان والمكان لبعض جمعيات وهيئات المجتمع المدني بحقوقهم كلاجئين يفترض أن يعاملوا معاملة خاصة تليق بهم كأفراد يوجدون في وضعية صعبة، خاصة وأن المغرب يسعى جادا إلى كسب ثقة وتأييد المجموعة الدولية بهدف ترسيخ دولة الحق والقانون التي تكفل حق المساواة والحرية والعيش الكريم للجميع.

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة.