القاص الكبير : سعدي الصباح حفظه الله

القاص العربي الكبير الأستاذ سعدي الصباح:حكايتي مع القصة حكاية عشق فهي من أعطتني المكسب الذي لا يقدّر بثمن !!

قاص عربي كبير وعملاق عاش عصر الأدباء الأوائل ونهل من الإبداع حيثما كان وتفجرت إبداعاته القصصية بين المدينة والريف.. إنه الكاتب الذي غرد عبر الزمان، وفي محراب الحب والعشق، كان له بصمة وعنوان. أحب الطبيعة وسحرها؛ فتناغم معها حتى الثماله عروبي الهوى، عاشق لفلسطين؛ فهي المأوى والملتقى، يطوف معها كفراشة مزركشة بين جناحيه ..يحلم بحريتها فهو يهتف للبطل الذي أجّج شرارة التّفجير، وتنازل عن زهرة عنفوانه من أجل المصير، وأفنى حياته بين الأدغال والجبال. صرّح بالتّضحية لافتكاك الأرض من مخالب الضّواري، إنه القاص والأديب الكبير الأستاذ/ سعدي الصباح حفظه الله وأطال في عمره .

إعداد وحوار م. خالد عبد الرحمن

نرحب بكم  في صحيفتنا هتون ونبدأ الحوار معكم  بعد الحمد والتوكل على الله، بودنا أن نعرف القاريء  على شخصكم الكريم (البطاقة التعريفية- طفولتك – الدراسة – الهوايات – الاهتمامات- الدورات – العمل – ….إلخ )؟ 

ولدت في البوادي بعد سنة من إطلاق الرّصاصة الأولى من حرب التّحرير، ثم دخلنا المدينة وعمري لا يتجاوز العامين، يمكنني القول: أنّني كبرت وترعرعت بين المدينة والرّيف بحكم تردّدي مع الوالدين على مسقط رأسي ومرابع صباي في موسم الحرث أو الحصاد أو الرّبيع, ودخلت الكتاتيب في سن الرابعة من عمري وصرت أداوم على الجامع لتعلّم الأبجدية الأولى، وبعض السور القرآنية، ولصغر سني كنت لا أعير للعسكر الفرنسي أي اهتمام، لا أخشاهم، ولا أفقه شيئا في أمرهم. تعلّمت القراءة والكتابة، وحفظت بعض السور من الذّكر الحكيم، ولمّا ظفرت الجزائر ونالت استقلالها بعد انهزام الجيش الفرنسي رحلنا إلى” دشرتنا” في كنف البوادي، ونظرًا لعدم وجود كتاتيب أودعني والدي إلى زاوية الحاج المسعود غراب بمدينة” عين” وأصبح في النّهار التّعلم وفي الليل الذّكر والحضرة والجدب ولأنّ الزاوية تستقبل كلّ الدّراويش والمخبولين والمرضى والثكلى والحيارى؛ كنّا نعيش معهم نحن كطلبة بشكل عادي، ونتحمّل عيشة البر ورطوبة الإسمنت وعناء البرد من أحل الدّراسة، تعلّمنا من الزاوية وشيخها أشياء كثيرة منها (الصّبر والتّجلد والحمد والشّكر) لما كتّبه الله، وأيضا المدائح الدينية وبعض الفقه وحفظنا ابن عاشر ،ومنها الولوع بالمدّاح والڨوال عشية كل ثلاثاء، ذلك المدّاح الذي عرفنا من خلاله سيرة بني هلال والبطولات العربية قبل الفتوحات وخلالها وبعدها ..وغرس فينا حبّ الحكايات الشعبية التي من خلالها تغذي الموهبة ولو بعد حين. ولم أمكث السنين في المدينة حتى بدأت الحكومة الجزائرية ببناء وتأسيس المدارس القروية والريفية، فعدت والعود أحمد إلى مرابع طفولتي وملاعبها وسجلت في مدرسة ريفيّة شيّدت من الطّين واليراع رغم تقدمي في السّن، وصرت أقطع الفيافي وأصل المدرسة قبل التلاميذ بعد أن أقطع الكيلوات من الأمتار بمفردي بين أحضان الطبيعة التي أعطتني الكثير والكثير ، أكثر ممّا أعطتني المدرسة، رضعت من مبسطاتها وحقول زرعها وعصافيرها البريّة وقطيعها وجمالها ونوقها وجمال فتياتها وبساطة عيشها وأهازيج حصادها، شغفت بطيورها، وصرت مدمنا على قنص” القوابع” شتاءً وصيفًا، وصيدالبلابل والشّحارير والكروان العسلي، ببندقية والدي وصارت هوايتي الصيد.. حبّه يسري في دمي.

بدايتي كانت بالشعر الشعبي ولم أكن أعلم بأنّ الفصيح كان شعرا شعبيا في بدايته

وكنت أوفّق بين الدراسة والهواية وبدأت أيضا أكتب الشعر الشعبي وأرسله إلى حصة فنية في الإذاعة، ومع ذلك أحتلّ المرتبة الأولى في كلّ اختبار، وفزت بامتحان السنة السادسة، كما يسمّى يومئذ “السيزيام” وأنا في السنة الرابعة وانتقلت مرة أخرى إلى المدينة دخلت الإكمالية، ولم ألبث حتى وصل قرار من وزارة التربية لا يسمح للطلبة بالدراسة في سن معين، فطردنا والتحقت بالإعدادية الحرة بمدينة “البرين” ودرست فيها  سنتين ذقت فيها كل أنواع الحرمان والمعيشة الضنك، وأترجم تلك المعاناة إلى قصائد شعرية ألقيها على أستاذي وزملائي، وترشّحت لدورة الممرّنين بالمدية ونجحت والحمد لله ودخلت مرفوع الرأس إلى سلك التعليم وأصبحت معلّما، أدرّس مع معلمّين منهم من علّمني، ثم نجحت في شهادة الثقافة العامة والمهنية وبعدها شهادة الكفاءة العليا، واشتغلت مديرا بالنيابة لفترتين متباعدتين، وقبلها اشتغلت في وزارة الدفاع الوطني من خلال الخدمة الوطنية برتبة صف ضابط لكن مدني، وكان راتبي هناك يتجاوز راتبي في التعليم .

س: هلا حدثتنا عن مسيرتِكَ الأدبيَّة والثقافيَّةِ منذ البدايةِ وإلى الآن وأهمّ المحطَّات في حياتِكَ الأدبيَّة؟

عن مسيرتي الأدبية أتحدث: البداية كانت بالشعر الشعبي كما صرّحت آنفا إلى أن ابتلعتني المدينة، وكنت أرى بأنّ الشعر الشعبي لا يرقى ولا يكون في الجامعات، ولا يكون محل بحث واهتمام، ولا يقتضي الاعتزاز بالكيان والشّخصية، ولم أكن أعلم بأنّ الفصيح كان شعرًا شعبيًا في بدايته؛ فانزحت لكتابة الخواطر القصصية، ومن بين الخواطر التي أنجزتها وكنت لا أرى بأنّها قصصا قصيرة وتدخل في عداد الإبداع هي خاطرة أو حالة كتبتها عن فتاة كانت تزورنا رفقة والدها إلى الرّيف مطلع كلّ ربيع، وأرسلتها إلى جريدة الجمهوريّة التي تصدر بالغرب الجزائري، فنشرها المشرف على الصفحة الإبداعية ونوّه بها قائلا بأنّها قصّة قصيرة بكامل شروطها من حبكة وعقدة وزمان ومكان وشخوص و….و… ومنها أيقنت بالمبدع الذي يسكنني، وصرت أرسل أعمالي إلى كلّ الصحف والمجلات الجزائرية، فاحتضنت أعمالي. أصبحت فعلا أكتب القصة القصيرة، ولأنّ الصّحف والمجلات في ذلك الوقت تجعل غربالا ولا تنشر إلا الأعمال الجديرة بالنشر، وكانت لها مصداقيتها وهيبتها ولا تنشر لمن هبّ ودبّ؛ لهذا وضعت الثقة الكاملة في ذاتي المبدعة، وبدأت الجهات التي تنظم الملتقيات تدعوني لأحضر، وكنت أحضر بقوة مع بداية سنين الخراب والدمار في الجزائر، وكان السفر في الليل محظورا وحتى في النّهار أحيانا في بعض الجهات، لكنّي أسافر ولا أبالي، عرفت جلّ ولايات الوطن من خلال المهرجانات والملتقيات الأدبية والأسابيع الثقافية. ومن أهم المحطّات بالنسبة لي لأنّها تتنقل بنا مع أصالتنا وثقافتنا وتقاليدنا، تُماشينا خيمتنا وكل ما تزخر به الولاية من أشياء جميلة تٌذكرني برائحة الأجداد، ونتعرّف من خلال ذلك على تقاليد وتراث وفن الولاية التي تستضيفنا، وهذا بدءً من الجزائر عاصمة الثقافة العربية إلى أن توقفت الأسابيع وبقيت الملتقيات، وأسافر من أجل الكلمة، والرّقي، والجمال، والأدباء الطيبين، حين ألتقي بهم أشعر بالولادة من جديد، أستمع لهم وأقرأ لهم وهم كذلك يستمعون لي بمحبّة، وتطوّرت علاقتي من خلال الأدب وليس العكس، وبفضل الله حصدت عدة جوائز وطنية وعربية ودولية، وكلّما أشارك يكون الفوز حليفي والحمد لله.

س: الأستاذ سعدي والقصة توأمان تندرج هي في حنايا قلبك وتندرج أنت بين ضلوعها.. هلا حدثتنا عن علاقة العشق بينك وبينها؟

علاقتي بالقصّة القصيرة علاقة عشق أبدي مع أنّها أصعب من كتابة الرّواية، وفيها شروط لا تسمح لك بقولها لكنّني بقيت وفيًا لها؛ لأنّها سمحت لي بأن أصنع من فتاة عابرة قصّة قصيرة وكانت أوّل انطلاقة، كما قلت سابقًا وناسبتني على أدائها على المنبر إلى جانب الشّعر العربي، وأكثرها بوّبها النقاد بأنّها قصص شعريّة وتأخذ من الشّعر موسيقاه ؛ لذلك أجدني متمسّكا بها، وأيضًا لم تخذلني في المسابقات،كلّما شاركت كلّما كان النّجاح، ولم يحدث مرة أن قصصت قصصًا ورميت في السّلة، وتعودتها،كتبت رواية ثم أحسست بأنّني تكلّفتها؛ لذلك أدركت معنى القاص الذي يسكنني وليس الرّوائي، وأيضا الطالبات اللواتي يشتغلن على قصصي لشهادة الماجستير وغيرها، الكثير تحوّل إلى الرّواية، لأنّها محل بحث الطلبة والأساتذة، أمّا أنا لا يمكنني التّخلي عنها لأنّني اشتهرت وتميّزت بها، وتعوّد جمهوري على قصّها وكذلك النّقاد والمتكلمون، لأنّ جلّ نصوصي القصصيّة نالت نصيبها من النّقاد والملتقيات ووسائل الإعلام كالإذاعة والتلفزة، إنّما حين يكون الجمهور غير جمهور القصة أقرأ قصائد بالملحون وهو النبع والأصل والبداية التي تعيدني وتذكّرني بزمن العنفوان وعهد الطفولة. 

س : القصة القصيرة شجرة حب خضراء تفرعت أغصانها فوقك وظللتك بأوراقها الوارفة.. أين موقعها الآن؟ وكيف يمكن لها أن تعود عروسًا غرّاء تكشف عن سحر جمالها؟

حكايتي مع القصة حكاية عشق، فهي من أعطتني المكسب الذي لا يقدّر بثمن؛ وهو معرفة الرّجال، والقصّة من جعلتني أقف مع القامات وخاصة لحظات التتويج، هيّ من كانت وراء قراءة الكتاب الكبير – ألا وهو السّفر – فالقصة وحدها من عرّفتني بصناع الكلمة من داخل وخارج الوطن، فهي من صنعت لي جمهورًا يتحدث عني بالخير، ويتمنى لي النّجاح، بالفعل هي الشجرة التي تظللني كما قد أشرت، هي متنفّسي وهي من حرّرتني من القيود، القصّة القصيرة هي من جعلت الطّلاب والطّالبات يبحثون عنّي، وجعلت النّقاد والمتتبعين والمهتمين ووسائل الإعلام على مختلف الاتجاهات، فهي من تطرق بابي وتكتبني، لست أنا من يطلبها، بقدر ما أحبها بقدر ما تجتازني في حبها لي، حتّى وأنّ الفنون كلّها متداخلة بإمكاني أن أكتب قصيدة الملحون والحرّة والعموديّة والرّواية و…..و…. لكنّها هي المسيطرة وهي الانطلاقة الأولى، كما قال الشّاعر “فكم من منزل يألفه الفتى
وحنينه أبدا لأول منزل”.

الفيس بوك أنجب نصوصًا استعجاليه معظمها لا ترقى إلى مستوى الإبداع ولا سيما القصة القصيرة

س: برأيك الخاص، ما هي أهم عناصر القصة القصيرة التي تشكل المحور الأساسي لفن القصة؟

حسب رأيي ورأي بعض النقاد الذين صرّحوا بأنّ الموهبة الفذّة وكثرة المطالعة والسّفر وتجارب الحياة والصّدمات من شروط القصّة، فالكاتب للقصة وحتّى الرّواية لا بدّ أن يختلط بالمجتمع لأنّه لسانه، ويدخل المقاهي وحتّى بعض الأماكن المشبوهة كي يقتنص فكرة وتختمر هذه الفكرة بداخله وتصير قصة قصيرة، لأنّ المتقوقع الذي لا يغادر مدينته، ولا يركب الطائرة، ولا الباخرة، ولا يمرّ بحالة حبّ مثلا ولا يخدم الخدمة العسكرية، ويبيت وحده في الحراسة وتضيع له قطعة من البندقية ويدخل من أجلها الحبس لأيام، ولا يغدر به صديق أو تخذله حبيبة، ولا يذوق الفقر والحرمان ولا يتغرّب، هذا الكاتب تكون كتابته ضحلة وغير صادقة، وهذا رأي ولا ألزم به أحدًا، وأكبر النّقاد قالوا “أن يكون لك ما تقوله دون تقنيات أفضل من يكون لك تقنيات ولا تجد ما تقوله”. والحديث قياس، تجد مثلا دكتورًا ملما بكل شروط القصّة القصيرة، من بداية ووسط ونهاية وزمان ومكان وحبكة وعقدة وشخوص وليس لديه موهبة أو هاجس الإبداع لا يمكنه كتابة قصة أبدًا، كذلك بالنسبة للشعر، عرفنا مختصين في شروط القصيدة العربية ويحفظون الشعر وعلم العروض عن ظهر قلب ولكنّهم لا يستطيعون كتابة مقطع شعري واحد، بين هذا وذاك لا بدّ أن نخضع لشروط القصة القصيرة الكلاسيكية التي ذكرتها آنفًا لكن الموهبة في المقام الأول، ومن يكثر من المطالعة من الموهوبين سيصبح يكتب القصة القصيرة دون أن يتعلّم تقنياتها وهذا بالتّجريب. فمن كثرة مطالعة القصص تتكون لديه ملكة فيكتبها بكامل شروطها المعروفة بشكل عادي بطريقة آلية وعلى السليقة، إنّما أنصح نفسي ومن هم على الطريق بكثرة المطالعة وأيضًا شروط القصة المعروفة.

كثرة مطالعة القصص تُكوّن للقاص ملكة فيكتبها بكامل شروطها المعروفة بشكل عادي بطريقة آلية وعلى السليقة

س:تمتليء صفحات الفيس بآلاف القصص القصيرة .. هل برأيك كثرة الكتابة في هذا الفن يدل على استجابته لمشاعر المتلقين؟

سألتني عن الكتابات الفيسبوكية، وعندي تحفظ على الإبداع الرقمي – ولا أعمّم – فالفيسبوك أنجب نصوصًا استعجاليه معظمها لا ترقى إلى مستوى الإبداع، لا سيما القصة القصيرة التي صار كل من هبّ ودبّ يكتبها دون موهبة ودون أدوات، وكذلك غياب النّقد، وأستثني هنا أصحاب المواهب الذين يمتلكون تجربة لا بأس بها، قبل الفيسبوك وخلاله، فأبدعكم في الواقعي أبدعكم في الافتراضي، بمعنى المبدع الحقيقي تجده داخل الزرقة وخارجها، بينما البعض من الذين يكتبون من باب التقليد، فلان كتب يلزمني أن أكتب، ولم يتريّث ولم ينتظر حتّى تتفجر موهبته – إن كان لديه موهبة – وتخرج منه القصة مدوّية. ومسألة أخرى يصيبنا بعض الغرور بدءًا من نفسي، لمّا نحصد كمّا هائلا من التعليقات والإعجاب؛ فنعتقد بأنّنا وصلنا وطرقنا باب النجومية، وفي الحقيقة نحن ضيّعنا الكثير، ومن لم يتقدّم يتأخر، وحتى الفيسبوك قاتل للإبداع. قبل الفسيبوك كنت أنشر معدل كلّ أسبوع قصّة، والآن شهور وربّما أكتب قصة؛ لأنّ الشحنة تتلاشى في الرّدود، نتواصل مع الأصدقاء ونرد ونعتقد بأنّنا نبدع ونحن نراوح في أمكنتنا، يمرّ العام تجد نفسك كتبت نصّا واحدًا أو نصّين، وما يقال عن القصّة، يقال عن الشعر أيضا، وأفضّل قراءة القصّة على الورق وكلّما قلّص المبدع ساعات الفيسبوك كلّما طالع أكثر وأبدع.

س: من هو القاص البارع الذي استطاع أن يؤطر لفن القصة القصيرة في عالم النادب العربي؟

الذين أعتبرهم آباء القصّة وأمهاتها نذكر على سبيل المثال لا الحصر (محمود تيمور، زكريا ثامر، حنة منة، رضا حوحو، جيلالي خلاص، مرزاق بقطاش، ربيعة الفرشيشي، العيد بن عروس، صالح الدّمس، جملة زنير، الطاهر وطار، محمد الطيب صالح، غموغات، هيفاء بيطار، طه حسين، و…………) والقائمة طويلة، ذكرت بعض الذين قرأت لهم، فقط وإصداراتهم في مكتبتي.

  تنتشر على ألسنة كتاب القصة القصيرة، القصة الصرعة أو ما يسمى بالقصة القصيرة جدًا، ما موقفك من هذا النوع من القصص؟ هل كتبت مثل هذا النوع؟                                                               

الحقيقة التي أعرفها وتخصني أنا ولا يمكنني أن انتظر أن يشاطرني فيها آخر بطمع مفادها أنّ القصّة القصيرة جدا من جانب أن كاتبها يكسّر الزّمن بينه وبين المتلقي، وتناسب عصر السرعة، عصر اللمحة، وتليق بزمن القراءة على الحاسوب، إنّما كاتبها في رأيي يحرم القاريء من المتعة؛ نظرًا للتكثيف الذي أحيانا يبدو غير مناسب، وغياب العنصر الأساسي، عنصر الدهشة الذي هو من شروط القصّة الومضة، ومن روّادها صالح الدمس، وزكريا ثامر، وغيرهما، الكثير في المغرب نزلوا إليها من برج القصة القصيرة الطويلة المألوفة والمعتادة، غايتهم كسب أكبر عدد من القراء، لا سيما القاريء الرقمي، منهم من يكتبها بلغة بسيطة وسليمة، وقبل أن يقدّمها للمتلقي كان قد اعتكف للإلمام بشروطها وقرأ لروّادها، فجاءت ومضاته مقروءة ومقبولة لحدّ لا بأس به. أمّا البعض الآخر يكتبها هكذا دون الإبحار في مضامينها، فيكتبها على شكل طرائف، قد سبق وأن سمعها من زمن سيسوقها في قالب قصة قصيرة جدًا  معتمدا على الذاكرة، وصنف يكتبها بغموض لا يمكن للقاريء العادي أن يفكّ رموزها وحتّى القاريء المتمرّس يشق عليه فهمها، فهنا أعتبر الهروب إلى الغموض لا يزدهر فيه هذا الجنس الأدبي الجديد، وهذا الأخير لا أحبّذه أبدا. إذا كنّا نكتب نصوصا قصيرة جدًّا، لا يفهما حتّى الأديب نفسه، أو الأستاذ الجامعي، فلمن نكتبها يا ترى؟ وهنا لا أعمّم لقد قرأت لبعض روادها واستهوتني نصوصهم، هذا على المستوى العربي من خلال منشورات دبي الثقافية وغيرها، وحضرت ملتقيات نظمت للقصة القصيرة جدّا ولم تغريني ولم تطرق بابي كي تكتبني وأكتبها، وسمعت بعضهم ينظّر لها ويقعّد ويقول أنّه متمرّس في شروطها وكتابتها بتقنيات لا يعرفها سوى ذلك الشغوف بكتابتها وتكريسها والترويج لها، ويقول بعضهم أنّها تكتب بحجم بعض السور السماوية القصيرة وهذا ما لا يتقبّله العقل ولا مجال للمقارنة بين القصص في القرآن وبين القصص التي ينسجها بشر.

وأخيرًا – لا أنكر – بعض الكتاب الذين أبدعوا فيها وتقرأ لهؤلاء النخبة لا أكثر، بمعنى اقرأ لي وأقرأ لك ولا تفكير في القاريء العادي الذي تستهويه المطالعة في القطار أو في الحافلة أو في الطائرة، وإلى هنا أشكر المتمرسين في هذا الجنس، وأناشدهم بالسهل الممتنع لا بالغموض؛ حتى تزدهر وتسافر إلى بعيد، ولمّا أتيقن بأنّها صنعت جمهورًا عريضًا مثل القصة القصيرة الطويلة والرّواية سأعتكف عليها وأتعمق في قراءتها وشروطها وسأبدع فيها لكن ليس الآن.

القصّة القصيرة جدًا تكسر الزّمن بينها وبين المتلقي وتناسب عصر السرعة

بين القصة القصيرة وملفات الحياة حكاية لا تنتهي .. هلا حدثتنا عن بعض القصص الحياتية اللافتة للانتباه
القصّة الأولى الموجودة في إصداري الأول – عرس الشيطان – هي القصة القريبة منّي وتذكرني برحلاتي المتتالية في المغرب؛ لأنّني عشت أحداثها وكواليسها، لا سيما كواليس العام الجديد في المغرب الأقصى،  وقصة أطلال مناعة في إصداري (سر البيت المفتوح)، وهي القصة التي أشعر فيها ببعض المحطات والصور من حياتي، بطلتها يمكن أن تكون من الواقع، وهي الزهرة النظيفة الشريفة العفيفة التي تعلمت فيها أصول المحبّة العذرية على خطى أجدادي الأولين العرب الذين لا أحد منهم لمس الحبيبة ولو ببنانه، ومنهم ذلك الشاعر الذي قال لم ألمس بثينة قط إلا أنّ مرّة وضعت يدها على قلبي لأستريح، وذلك ذروة ما فعله معها، وكذلك الأمر بالنسبة لقصة الظبية الصحاري التي أيقنت من خلال بطلتها بأنّ ابن عربي قد أصاب حين قال: لا خير في حبّ يدبّره العقل، وأعتقد أن كل كاتب وكل شاعر تجد عنده بعض القصص، أو القصائد تحتوي على محطات من حياته الواقعية.

س: ينتظر المتلقي والقاريء من أديب قاص مبدع مثلك أن يتعرف على مجموعاتك القصصية وأن تذكر له أهم قصصك الناجزة؟

المجموعة الأولى – عرس الشيطان – وتضم 21 قصة قصيرة طويلة منها (الحبقة التي تطير، الخطيئة، الصاعقة، الموت، الهروب إلى الموت، الوسام، ثمن الشموخ، حين ترحل الكلمات، العرابدة، خيانة، عرس الخريف، الحبيبة على علبة هڨار، من شبق الربيع، نهاية رجل، هذا قلمي، وانفلق القمر، وراء التيه امرأة، وهل هي ذئبة، يوم الزفاف، أشواك السادي). وكلّها منشورة بالمواقع والمجلات الرقمية، بإمكان القارئ أن يجدها بسهولة.

الإصدار الثاني سر البيت المفتوح ويضم 18 قصة منها (أسير الخشخاش، البلبل الأرعن، أنيس الغربة، زوجتي الخشيبة، دقت الخلاخل، العاصفة البردية، على شفير الهاوية، حين سقطت قمر، سر البيت المفتوح، الأم الرءوم، موت سعدية، بهتان امرأة، ظبية الصحاري، صوب وادي ريغ، طلال مناعة، بقايا رجل، الربيع في الصحراء). وكذلك كلها موجودة في المواقع والمجلات وأيضا على الورق.

س: كيف كانت رحلتك مع كتابة ونشر أعمالك؟

بالنسبة لكتابة قصصي، كما صرّحت به قبل، أنا لا أخطّط للقصة، ولا أهندس بل هي من تطرق بابي خلسة، لا أدري أين تأتيني الفكرة، ربّما وأنا أمشي بسيارتي، وفي المزرعة، أو وأنا أقرأ رواية، أسجل الفكرة في ذاكرتي في مفكرتي وأتركها تختمر وتتّضح معالمها ثمّ أسوقها في قصة قصيرة بكامل شروطها، دون أن أفكّر في  لوازمها المعروفة، ولا أفكّر في القارئ ولا النّاقد، ولا أتنفس ولا ألتقي بالأصدقاء ولا أكلّم حتّى أفراد العائلة، حتّى أنتهي منها وأنشرها، لحظتها ألتهي بأصدقائي وأسرتي ومشاغل الحياة التي لا تنتهي. أما النشر أفضل النشر الورقي، نشرت في جريدة الجمهورية، وصوت الأحرار، والموعد، و اليوم، والشروق الثقافي، والحياة، والنّهار، ومجلة الثقافة، ومجلّة أمال، ومجلّة شموع لا تنطفئ، والمجاهد، والصحافة، ومرايا، والأصيل، ومجلّة مسارات، وصحف أخرى سقطت سهوا. أما الطبع، مجموعتي الأولى (عرس الشيطان) فازت بجائزة وطبعت على نفقة دار الثقافة بالجلفة تحت الرعاية السامية للسيد الوالي، والمجموعة الثانية (سر البيت المفتوح) هي الأخرى فازت بجائزة ناجي نعمان الدولية بلبنان. وطبعت بدار على بن زيد للطباعة والنشر. أما النشر الرقمي، أذكر بعض المواقع والمجلات التي حضرتني اللحظة (أصوات الشمال، موقع القصة العربية، موقع القصة السورية، موقع القصة العراقية، مجلة الفكر) ومجلات ومواقع أخرى لا يمكنني أن أتذكرها كلها.

أسجل الفكرة في ذاكرتي في مفكرتي وأتركها تختمر وتتّضح معالمها ثمّ أسوقها في قصة قصيرة بكامل شروطها

س: ما هي أهم الجوائز والتكريمات الحاصل عليها أديبنا المبدع؟ وهل ترى أن النقاد أنصفوك؟

أهم الجوائز، (جائزة السفير الوطنية، جائزة المسابقة الكبرى للقصة القصيرة) ونالت مجموعتي القصصية (عرس الشيطان) الجائزة الأولى، ومن خلالها طبعت على نفقة دار الثقافة،جائزة وطنية بوادي سوف، جائزة ابن هدوڨة الوطنية،جائزة شموع لا تنطفئ الوطنية وفازت مجموعتي القصصية بجائزة ناجي نعمان الدولية للاستحقاق،جائزة روسيكادا العربية،جائزة أقلام الوطنية،تكريم المجلس الشعبي البلدي،تكريم الأمن الوطني بعين وسارة، تكريم جمعية بعين وسارة بالتنسيق مع جمعية ياسمين موسيقى وسباب، تكريمات عدة من قبل جمعية الكرامة، تكريم بالجلفة بمناسبة فوز المجموعة القصصية، تكريم بمناسبة اليوم الوطني للفنان من قبل دار الثقافة برعاية والي الولاية، تكريم بالعاصمة في قصر الرايس من قبل الأستاذ جمال سعداوي، تكريم بالبيض على هامش ملتقى القصة القصيرة، تكريم بتلمسان على هامش ملتقى القصة من قبل الأساتذة المشرفين، تكريم من قبل نادي القراءة فكان العموري، تكريم بالأغواط الأول بإشراف مدير دار الثقافة، والثاني بإشراف الشاعر والإعلامي/ محمد ميساوي، تكريم بوادي سوف، الأول: جمعية محمد العيد، والثاني: بإشراف الشاعرة سمية مبارك من خلال الصالون الوطني للكتاب، تكريم من قبل النادي الأدبي، وتكريمات أخرى في جهات مختلفة.

أمّا عن النقاد فقصص جلّها نالت نصيبها من النقاد داخل الجزائر. وخارجها أذكر على سبيل المثال لا الحصر: الدكتور: سعيد موفقي، الدكتور: علاوة كوسة، الدكتور: حمام محمّد زهير، الدكتورة: حفيظة طعام، الأديبة: خيرة خلف الله، الدكتور: عيسى ماروك، الأستاذة: صبرينة صيفي، الأستاذ: إسماعيل دراجي، الناقد والأديب: ڨلولي بن سعد، الأديب: قدور بن مريسي، الأستاذ: سليم دراجي، الأديب والناقد: أحمد ختاوي، الشاعر والإعلامي: لخضر أم الريش، المخرج والشاعر: ربيع مبهوبي، الأديب: كمال سعد الله، الروائي والسيناريست: عيسى شريط، الأديب والناقد: أبو يونس الطيب، الناقد والأديب: عبد الرزاق جبران، الناقد: خزعل. وأعتذر لمن سقط سهوا .

س: أنت عضو في عدد من الجمعيات الثقافية والأدبية المحلية والعربية، هل استطاعت تلك الجمعيات أن تقوم بما تأسست من أجله أولا، وفي الدفاع عن حقوق أعضائها ثانيا؟
بالنسبة لي، أتحدث عن نفسي ليس لديّ ميول للانخراط في الجمعيات الثقافية؛ إلا من باب الحياء من الأصدقاء، أو من أجل التدعيم عن بعد من أجل الأدب، هناك جمعيات تطبع الكتب لأعضائها وتكرّم وتنظم ملتقيات ومسابقات، أحضر وأشارك في المسابقات، وأكرم مثلما كرمت مؤخرًا في النادي الأدبي، لكن أجزمت بأن لا أكون عضوًا في أية جمعية إيمانًا مني بأن الجمعيات إذا كنت عضوا فعالا، ستجلب لك العداوة من قبل الأصدقاء، ولا يمكنك أن ترضي الجميع هذا بالنسبة للدعوات، فما بالك بالتكريمات مثلا . أنا أحاول أن أتسلل منهم شيئا فشيئا وأربح صحتي وأكسب كلّ الناس. بمعنى أن الهيكلة قاتلة للإبداع مثلها مثل الإدارة، هذه تجربتي أنا ورأيي، الذي لا ألزم به غيري.

س: ما رأيك بالترجمة؟ وما وسيلة المبدع العربي كي يصل الى العالمية؟ ومن يقوم بهذه المهمة الخطيرة؟ ألا تجد أن الترجمة أصبحت خاضعة للعلاقات الشخصية؟

سؤالكم عن الترجمة جوابها، كما قد أشرت: الترجمة صارت بالإخوانيات والأمزجة والوشائج. مثلها مثل بعض الملتقيات ولا أعمّم، وأنا عندي موقف من الترجمة، ترجم لي المترجم منير مزيد من رومانيا بعض أعمالي إلى ثلاث لغات، لكن لم يقدّم ولم يؤخر، ولم أرى الكتاب ولم يصلني؛ لذلك صرت لا أتكل على الترجمة ولا أنتظرها بطمع، ولا أحلم بالعالمية من خلال الترجمة، التي فيها خيانة هذا من العربية مثلا إلى الفرنسية وأحيانا بخانتين إذا ترجم من العربية إلى الفرنسية ثم ترجمه مترجم آخر من حلته الجديدة من الفرنسية إلى الرومانية و الإنجليزية.

لا أتكل على الترجمة ولا أنتظرها بطمع، ولا أحلم بالعالمية من خلال الترجمة

س: هل سبق أن زرت دولا عربية، واطَّلَعت على المشهد الثقافي عن كثب، هلّا نقلت لنا بعض الانطباعات؟
زرت المغرب لمرات لا تحصى، وزرت مصر والمغرب خارج المجال الأدبي، لكنّني التقيت كتابًا وشعراءً واستمعت لهم واقتنيت كتبهم وهناك تقاطع كبير بين إبداعاتهم والإبداعات الجزائرية وخاصة، القصة القصيرة. زرت تونس من خلال الأدب والتقيت بأدباء وشعراء من تونس وليبيا ومصر، نفس الأفكار، نفس الطرح العميق، ونفس الطرح السطحي، ولاحظت الفروق بين بعض الكتابات المصرية والكتابات المغربية التي قرأتها واستمعت لها لكن لم أطلع على الكل لذلك يبقى الحكم فضفاضا، والآن صار احتكاك كبير بين هؤلاء الدّول من خلال المجلات التي تنظم مسابقات وتدعو الفائزين ويأخذ هذا من هذا. واستشرف بأنّ القادم ستجمع هؤلاء الكتاب والشعراء العرب خيمة واحدة، وعجينة واحدة ينهلون منها. وتلاحظ الجيد مثلا في تونس ونظيره في ليبيا أو الجزائر و المغرب، مثلما تجد الرديء على سبيل المثال في الجزائر ونظيره في الدول المغربية الأخرى، عافانا الله من الرّداءة، إنّما أعطيت مثالاً، ولا يمكننا أن نقول الدولة الفلانية أبدع أو أشعر من الدولة الفلانية، فهذا الحكم هو في الاتجاه الخاطئ، بمعنى لكل دولة غثها وسمينها والزّمن هو الذي يفصل، والزبد سيذهب جفاءً وما ينفع الناس يمكث في الأرض والحديث قياس.

لا تنتظر أيضا أن يصفّق لك الجميع؛ لأن الأدب أذواق قد يعجب هذا ولا يعجب ذاك .. فلا تقلق

س: ما هي أهم المعوقات التي يصطدم بها الكتاب الشباب، والكتابة من وجهة نظرك هل هي هدف أم وسيلة ؟
على المبدعين الشباب التريث في مسألة الطبع، كما ألاحظ في الصالونات الدولية بعض الإصدارات طبعت بدافع التقليد كما أشرت من قبل، فكانت إصداراتهم سجينة الرّفوف ولا أعمّم، قلت البعض فعليهم أولاً: عدم التّسرع في مسألة النشر والطبع ويترك القصة هي من تطرق أبوابهم وتخرج منهم مدويّة، وأقصد الكل بدءًا من نفسي. أمر آخر يتعلّق بمن هم على الطريق من الشباب أن يجعلوا واقيا حتى لا يكسرون أقلامهم، لأن المبتديء لا ينتظر أن تفرش له الورود من الخطوة الأولى، أكيد يرى التهميش بعينيه، ويكون غير مرحب به في البداية ويلدغ من أقرب المقربين، وهنا أتكلم على مستوى الأقطار العربية ولا أقصد دولة معينة، فعلى المبتديء أن يطالع الكم الهائل من الروايات والقصص ليبدع نصًا واحدًا، وأن يحضر في البداية كمستمع ويجلس إلى الخلف ولا ينتقد من سبقوه في مجال الإبداع، حتى لا يصدم ببعض التهجم الذي هو في غنى عنه، ثمّ مع الزمن بالصبر والاحتكاك والمطالعة والإنصات سيصل الرّكب ويألفه المبدعون الأولون، ويصير مثلهم. وحتى لا تصطدم؛ اجعل بين عينيك بأنّك تجد الإساءة من الجهة التي تنظم الملتقيات والإساءة تتمثل في عدم الظفر بدعوة لأنهم لا يعرفونك ولا يريدون معرفتك، وإذا وصلتك دعوة مثلا بأية طريقة، ستجد عدم برمجتك أو تبرمج في الأخير، فلا تغضب وتلفت أنظار الناس لك، أارك الشاي حتّى يبرد واشرب كأسك مرفوع الرأس، وحذاري أن تتطفل على الظفر بدعوة، فاترك نصوصك هي من تجعلهم يفكرون في دعوتك، فإن فعلت تكون قد سجلت ذكرى سيئة في حياتك الأدبية، وبالمشاركة في المسابقات المحترمة التي لها مصداقية ستبرز وستصنع اسمك وستنال التّبجيل والتكريم والدعوة، ولا تنتقد الناس فأنت في البداية مبدع على الطّريق ولست ناقدا، ولا تدخل شعبان في رمضان، وهو المطلوب وستصل إن شاء الله. والأديب من أدّب نفسه وأحسن صقلها قبل الولوج في عالم الكتابة، بمعنى الأخلاق شرط أساسي في العملية الإبداعية. ولا تنتظر أيضا أن يصفّق لك الجميع؛ لأن الأدب أذواق قد يعجب هذا ولا يعجب ذاك، فلا تقلق.

زوجة تقبل به وراء قضبان الزنزانة ..!!

س: حبذا لو سجلت لنا بعد الحوار أجمل قصصك القصيرة أو مقتطفات منها ليتمتع القاريء بجماليات فنك؟
قصة: عرس في الزّنزانة.

البطل الذي أجّج شرارة التّفجير.. وتنازل عن زهرة عنفوانه من أجل المصير.. وأفنى حياته بين الأدغال والجبال، صرّح بالتّضحية لافتكاك الأرض من مخالب الضّواري، يحلم بالحرّية، من رحم المعاناة أسّس كتائب عروبيّة قوميّة، من أجل القضيّة، قضى السّنين الطّويلة يفترش الثّرى ويلتحف السّماء، عاش بين الهوارب والعقارب، وأكل العشب والطّحالب، زجّ به في الغياهب جزاء صلابته في أرض الوغى، لكنّ أفكاره ومبادئه كفيلتان بمواصلة حرفة الذود والبارود حتّى النّصر، وبفضله انبلج فجر السّلام وحطّ الحمام، وتمّ الإفراج عنه، واعترافًا بإقدامه نال المكافأة من قبل العدو قبل الصّديق، وحفّت به أمواج المريدين المتعلّقين – متضرّعين ليكون القائد الأعلى – فكان والتّوفيق من الله، وقاد ثورة أخرى لمحاربة الفقر المدقع الذي حلّ بالبلاد، وهذا ما يشغله، تلاشت ملامحه وظهر الغنى جليّا على وجوه رعيّته، أعاد للتّربة الحمراء حياتها، وأرجعها لأهلها، واستعار الجرّارات والحصّادات،  من خلال جاهه ونفوذه من وراء البحر، وتكلّم الرّبيع الطّلق في دولته، وأعانه ربّ الورى بالغيث العميم؛ فازدهرت الفلاحة؛ وتناسلت حقول القمح في السّهول والتّلال، وتنفّست الأمّهات الصُّعَداء، وعمّت الخيرات كلّ المداشر والقرى. أطاع العلى وقصّ سيرة الهدى عنوة في العملاء، فشغل الرّجال والنّساء، فبادلهم محبّة الأب لأطفاله، وما زال يعلن الحرب عن بقايا علل، فتح له حبّ الورى أبواب كثيرة، فأصر على التّطهير  ــ غايته أن يجعل الغادرين على الهامش ــ جزاء خيانتهم وتنكّرهم لأبناء جلدتهم، متذكّرا ما ترتّب عن خذلانهم، وبحنكته وإخلاصه جعل المدائن ومن عليها في جيبه، وخطف ألباب شعب بأكمله، شاع بعدله وقوميّته ودينه، هو رجل بسيط وحبّ البسطاء يسري في دمه، ولأنّه عبقري وعلّمته السّجون بأن لا يخشى المنون، ولا يستخدم العسس، بسيط في ملابسه وسكنه، سلس في خطابه، يمشي راجلا في الشّوارع وئيدا ولا يبالي، يتفقّد مساكينه، يوزّع الابتسامة على كلّ من يجدهم في طريقه، وذات ظهيرة وهو يجوب المدينة بموكب محتشم لوي إلى مقرّ الجريدة وتوقّف هنيهة، فوقف كلّ طاقمها إجلالا له ولحضوره على حين غرّة قاموا مصفّقين هاتفين، يحيا…يحيا…، إلاّ واحدة تشتغل بالصحيفة تسمّرت وأبت أن تصفّق، وكانت تنظر إليه بريبة وازدراء. وعلى محيّاها سمات الحقد والكراهيّة، لم يكترث لها لكن تركت في نفسه بعض التّساؤلات، فتجاهل وتغافل ككلّ نجم تسمو به مرتبته ولا يقف عند سفاسف الأمور، وعاد إلى إقامته، فأنبأوه بأنّها إعلاميّة نشطة وحقوقيّة واسمها عائشة تشتغل بالجريدة وأنّها معارضة، وانتهت قصّتها التي كانت بالنّسبة له زوبعة في فنجان، إنّما ملامحها بقيت عالقة بتلافيف دماغه، ودارت الأيام ومبادئه التي يؤمن بها جعلته في اختلاف تحوّل إلى خلاف مع حاشيته إلى أن أطاحوا به وأمسى في القفص بالإكراه ولذرائع ربّما أخرى كدسّت إلى حين. وسجنه كان متنقّلا بين الثّكنات، وكانت المكافأة رميه في الغياهب، ولإيمانه بالقدر، صبر واحتسب لأمره جلّ جلاله. لجأ إلى كتاب الله واتخذ من الذّكر الحكيم أنيسًا له وليستمع إلى صوته بغرفة ضيّقة مخضّبة بالسّواد؛ تجلب له الكآبة والرّتابة والأسى، وتمرّ الأيّام على وحدته ولا من يغشيه من رفقاء دربه ويسمع الشّكوى، ويخفّف عنه رطوبة الإسمنت التي تنخر عظامه في الليالي الحالكات، إلاّ من والدته التي تتردّد عليه رغم النّوى بشكل دوري، وكان يفتعل الضّحك حتّى لا تتأثّر لحالته، وزيارتها ما قبل الأخيرة لا تشبه زياراتها سلفا، قبّلت جبهته ولانت معه لحاجة في نفسها، ثمّ فاتحته في لبّ الحكاية التي ربّما قد جاءت من أجلها، قالت له متحرّجة نوعا ما: أطلبك في أمر، فارتعدت فرائصه، ظنّا بأنّها تستفسر عمّا يكنّه من أسرار، لكنّها طالبته بأن يتزوّج، والزّواج في مثل هذه الظّروف القاسية ضرب من الخيال أو المعجزة، هو يدرك بأنّه مقيّد بأغلال، ولا يمكنه أن يفكّر في الزّواج بالمرّة. وهيهات أن يجد زوجة تقبل به وراء القضبان، لكنّ حبّه الكبير لوالدته وطاعته لها جعلته يوافق مبدئيا ويلبّي رغبتها على مضض، حتّى لا يكسر خاطرها ويدمي قلبها، وعلى حين غرّة انتهت المهلة ودق الجرس، فبارحت تماشيها الغبطة، ولوى هو إلى قراءة القرآن متضرّعا لله، ينتظر ساعة الفرج، ولينسى أو يتناسى ما فعل به الخلاّن ويدعو لهم بالسّماح، ومرّ الشّهر ثقيلا بطيئا وعادت ينبوع الحنان لتطمئنّ عليه، وبعيونها ظرف رسالة عذراء، فاحتضنته بعطف وبشاشة ومدّت له البرقيّة، ففضّ بكرتها وأخرج الصّورة، تأمّلها مليّا ثمّ تذكّر بأنّه لمحها ذات زمن، وقالت الأمّ: هذه هيّ البنيّة التي قبلت بأن تكون نصفك الآخر وهي على دراية بوضعيتك التي يرثى لها، عاد إلى الصّورة ثانية ودنّڨ مدقّقا،فأيقن بأنّ الصّورة للصحفيّة التي أبت التّصفيق. وكانت تنتقد أفكاره من خلال عمود يصدر بشكل يومي، لكنّه كتم ذلك بين ضلعيه إلى جانب أسرار محنته التي أجزم بأن لا تسمعها حتّى والدته التي حملته كرها إلى أن يناديه الرّحمان، انتهت المهلة وودّعته لميمه يماشيها الحبور وهو بين الحقيقة والأضغاث، وفي ظرف وجيز قُرئت الفاتحة وتمّ القران، وأتت بها إلى إقامته الجبريّة ولا ثالثهما،تسلّلت بها غير مبالية بجند الخفارة، ولا يمكن لأحد أن يكون حجرة عثر في دخولهما، بزغت شمسه داخل غرفة سوداء مظلمة،جعلتها عائشة قصرا منيفا، بجمالها وخفّة روحها وثقافتها، وكانت تخرج من حين لآخر حرة طليقة؛ لتشتريّ ما يلزمها وتقتني له الجرائد، وتخرج بكلّ حريّة إلى أهلها وتأتي له معبّأة بالهدايا والعطور والرّوايات الثّوريّة، وأنسته عائشة عالما يعجّ بالمكر والخداع. وجد ضالته معها وأصرّت على مكوثها معه لأجل غير مسمّى، أعادت له الحياة وعثر على ضالته عند معارضته الحقوقيّة النّشطة ــ الحسناء العفيفة العربية القحّة ــ التي تفهمته وآمنت بقضيّته وقبلت به رغم المضايقات والضغوطات التي تلقّتها من إخوانه الأعداء. ولم يلتمسها في أشباه الرّجال الذين تخلوا عنه في الأوقات الصّعبة والظروف الحرجة، إنّه صاحب المبادئ والمواقف الذي منّ عليه بصاحبة المواقف لتتزيّ بزيّه وتمشي على خطاه.

س: ما هي طموحاتُكَ ومشاريعُك للمستقبل؟
مشاريعي الخاصة وربّما الأهم وصول الكهرباء لبيتي الرّيفي ولمزرعتي الصغيرة لأعود إلى الأصل والنشأة والبدايات، وأستريح من ضوضاء المدينة وجحيمها ورتابتها ومعلّباتها، فالمشي بين العرائش والزيتون أفضل بكثير من التسكع في الشوارع والأزقة، والنوم تحت التفاحة أجمل من النوم تحت المكيف، وماء القربة أعذب من ماء الثلاجة، والنصوص التي تكتب بين الدّوالي أبدع من النصوص التي تكتب أمام التلفاز، وبعض الزعيق والاستفزاز. وأما الأدبية فلي إصدار آخر وهو مجموعة قصصية موسومة بغجرية، وطبع كل المتابعات النقدية في كتاب وكل الحوارات التي أجريت لي من قبل الصحافة المكتوبة، وبعدها طبع سيرة ذاتية أدبية من أول قصيدة كتبتها بالمحون إلى آخر قصة، وكل المحطّات والمهرجانات والملتقيات وكواليسها والعراقيل و…..و…..
قلت لأب وسأقول لك: من اليوم الذي التحق فيه بالرفيق الأعلى طلّقت البوادي، وشق عليّ النظر إلى مضاربه.

خيبة الأمل موجعة لكنها بحث عن جديد لأنّنا نسقط أولا ثم ننهض

ماذا تقول في كلمة واحدة عن الأب، الأم، فلسطين، الجزائر، الصداقة، النجاح، خيبة الأمل، السفر؟

الأم، ينبوع الحنان. فلسطين، حبّها فراشة ترفرف بين جوانحي، وكلما ذكرتها تذكرت مقولة الراحل هواري بو مدين الشهيرة “مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”. الجزائر، حبّها يأتي في المقام الثاني بعد أمي؛ لأنّها عزيزة وحررناها بالملايين من الشهداء، وسأقول لمن يشتمها خذ عيني ولا تغضبها؛ لأنّها رجعت بأودية من الدّماء. النجاح، لا بد من فشل بعده نجاح. الصداقة، دخلت اقتصاد السوق من سنين إلا من رحم ربي. خيبة الأمل، موجعة لكنها بحث عن جديد لأنّنا نسقط أولا ثم ننهض. السفر، بقدر ما هو قطعة من عذاب بقدر ما هو كتاب كبير يتجاوز كل الكتب.

 

في الختام؛ أشكركم باسم فلسطين وباسم صحيفتنا هتون، ونعدكم أن نتابع مسيرتكم ونسلط الضوء على أعمالكم الكلمة لكم .. إضافاتكم ..تعريجاتكم  .. ما يجول في خاطركم .. كلمة لقرائكم .. المجال والميدان مفتوحان..!
وافر الشكر؛ لصحيفتكم هتون الثقافية،  التي فكّرت فينا وأعطتنا هذه الفرصة الطيبة التي أعادتني لأيام الزمن الجميل بأفراحه ومواجعه، وتحدثت فيها بكل تلقائية وعفوية دون تكليف، وأشكر المتتبعين لأعمالي لأنّ العملية الإبداعية كالصداقة لا تكتمل إلا بالطرفين فالمتلقي هو من يكمل النص، وأناشد النقاد بالالتفات إلى الأقلام الموهوبة الجادة من الشباب وتوجيههم إلى السكة، إلى أن يزدهر الأدب العربي، وأقول مجلجلا يا أيّها الأدباء حبّوا بعضكم فالمحبّة في الله أغلى من النّصوص. 

 

 

 

3 تعليقات

  1. لحظات إعتزال لتلاق أحبار الأقلام و قبلات الورق تتلون قصص الكاتب سعدي صباح في مقعد الزمن المفضل لقد منح للسرد ذات مبتسمة و احاديث منكهة في ركز كل قصة يستبصر و يديم التأمل نعم إنها علاقة عشق أبدية لصناع الكلمة و إستمرارية الإبداع في سجدة على كتاب الأدب و الفكر ..
    المزيد من النجاح و التألق
    شكرا للأستاذ خالد و لجريدة هتون على هذا الحوار الراقي مع القاص الأستاذ سعدي صباح

  2. م . خالد عماد عبد الرحمن

    دائما نسعد بتعليقاتكم أديبتنا ليلى بومدين..

  3. حفظ الله الأستاذ الكبير

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة.