كيف تُحول متقاعدون إلى باعةٍ متجولين وحراس للسيارات والدكاكين؟

التصقت صورة المتقاعد في مخيلة المجتمع المغربي بذلك المواطن المسن الذي يؤثث جلسات لعبتي “الورق” و”الكرة الحديدية” وغيرهما من اللعب، ويقضي معظم وقته بعيدًا عن ضجيج وضوضاء سوق العمل .

تحقيق : زياد القصابي

إنه باختصار شديد ذلك الشخص الذي انتهت صلاحيته وإنتاجيته بعدما لم يعد له راتب في المؤسسة التي كان يعمل بها، بل إن المتقاعد تحول إلى عنوان لكل ما هو سلبي وهامشي، فهو يأتي في مقابل العمل والوقت والإنتاج.. صحيفة “هتون” الإلكترونية اقتحمت عالم هذه الفئة الاجتماعية، التي أفنت زهرة شبابها في خدمة البلاد والعباد.. وكشفت عن مجموعة من الحقائق والمفاجآت.. فكان هذا التحقيق ..

بحسرة وألم شديدين تحدث (الحسين.ب) ذي التسع والستين عامًا عن مرحلة ما بعد العمل وقال لـ”هتون”: “قدمت إلى العاصمة الرباط عام 1958 واشتغلت عون مصلحة بمقاطعة اليوسفية، وكنت أعول أسرة تتكون من ثلاثة أفراد، أما الآن فأنا أعول أسرة تتكون من عشرة أشخاص أصغرهم سنًا يبلغ من العمر إحدى وعشرين سنة”، وأضاف “أبنائي كلهم عاطلون عن العمل واحد فقط هو الذي يعمل لحامًا في جوطية حي التقدم والآخرون لا عمل لهم، “صرفت على هذه العائلة وأنا كنعمل، وها أنا كنصرف عليها وأنا في التقاعد”.

فقر وحرمان وتقاعد

الحسين الذي ينحدر من محافظة كليميم (جنوب الرباط)، صرح بأنه يتقاضى فقط 600 درهم على رأس كل شهر، سألته كيف يتدبر العجز الحاصل في ميزانية البيت عند آخر كل شهر، فحكى لـ”هتون” بأنه يكسب بعض الرؤوس من الماعز و”الغنيمات” في الطابق الأرضي من بيته الذي يسكن به، قائلا : “أقوم في الصباح الباكر كل يوم فأصلي صلاة الفجر ثم أتناول فطوري، بعدها أرعى غنيماتي في الهضبة المجاورة للحي الذي أقطن به حتى حدود الساعة الواحدة أو الثانية بعد الظهر ثم أعود إلى البيت، بعدها أقوم بعمل آخر وهو بيع المتلاشيات في السوق المجاور للحي مع الحرص على الحضور إلى المسجد لتأدية الصلاة جماعة وفي أوقاتها”.

الحسين لا يريد حقوقًا ولا يبحث عن فضاءات للترفيه أو حتى زيادة في الأجر، بل لا علم له حتى بوجود جمعيات تدافع عن حقوقه كمتقاعد صار يعيش على هامش المجتمع، فهو يعتبر نفسه مواطنًا بدون حقوق “هاذ الناس ما لحونا حتى عرفوا ما بقى فينا ما يدار”، هو يريد فقط أن يعمل أحد أبنائه ويحل محله في بلدية الرباط كـ”شاوش”، أو كمنظف، تركته بعد أن دلني على متقاعد آخر يجلس القرفصاء بجانب باب مسجد “أم كلثوم” إنه (الكبير . د) العامل السابق بإحدى مصالح وزارة المالية في سنوات السبعينيات والثمانينيات، أجرته لا تزيد على الـ1500 درهم، غير أنه أحسن حالًا من سابقه، فهو على الأقل يعول أسرة مكونة من خمسة أفراد إضافة إلى أن له ابن يعمل أستاذًا بإحدى الإعداديات في محافظة الخميسات، يقول لـ”هتون”: “لم أعد أتقاضى ما كنت أتقاضاه عندما كنت أعمل، حاجياتي تزايدت بالإضافة إلى أن الزيادات المتكررة في المواد الغذائية أثقلت كاهلي وزادت في الطين بلة”، (الكبير) الذي يبلغ من العمر حوالي الستين عامًا يقضي نهاره في النوم ليبيت الليل كله يحرس دكاكين تجار وحرفيي الحي..

فالوقت بالنسبة لـ(الكبير) ولـ”الآخرين” لم تعد له قيمة تذكر، لقد تحولوا جميعًا كتلكم المعلبات التي يكتب على ظهر غلافها “انتهت صلاحيتها..”، فقد (الكبير) كل سلطاته التي كانت عندما كان شابًا يافعًا داخل البيت وخارجه، يحكي لـ”هتون” أنه كان مهاب الجانب بحيث لا يجرؤ أي كان على الكلام عندما تنطق شفتاه، فالكل عليه أن يلتزم الصمت حتى ينتهي (الكبير) من كلامه وينصرف إلى حال سبيله، غير أنه الآن انتهى كل شئ بالنسبة له وأصبح ينتابه شعور مفاده أنه عديم الفائدة ولا دور له في الوسط الذي يعيش فيه، إنه فقط عبارة عن كائن شبح قذفته الحياة قذفًا وأوقعت به في دائرة الفقر والحرمان.

أخطبوط التقاعد

(محمد.ب) متقاعد آخر تجاوز السبعين من عمره، كان يعمل مخزنيًا في محافظة مكناس أولًا ثم الرباط ثانيًا، خدم كل قياد وباشوات هاتين المحافظتين، وأفنى زهرة شبابه في تنفيذ أوامر كل هؤلاء، ليستقر به المقام أخيرًا بحي الرشاد بالعاصمة الرباط، (محمد) لا يتقاضى سوى 900 درهم ومع ذلك لا تفارق الابتسامة محياه على الرغم من أنه يعول أسرة مكونة من ثمانية أفراد، يقضي معظم وقته في مشاهدة “أصحاب الكارطة والضامة”، فضاؤه المفضل ومتنفسه الوحيد الذي ينسيه صدمة التقاعد، يذكر أنه أصيب بمرض في عينه كاد أن يفقده بصره، فنصحه الأطباء بإجراء عملية جراحية، وأمام ارتفاع كلفة العلاج والتطبيب اضطر إلى بيع أرض ورثها عن أبيه من أجل تسديد مصاريف العملية.

يقول لـ”هتون”: “تملكني شعور وإحساس بالاحتقار لما وجدتني لا أملك ما أسدد به عملية جراحية على عيني وأنا الذي خدمت سلطات البلاد طوال حياتي، وكأني لم أكن أبدًا عاملًا في يوم من الأيام، لم أجد أحدًا بجانبي حينها غير أرض ورثتها عن أبي ولإخوتي نصيب فيها..”، لقد تحول (محمد) إلى مواطن مهمش بلا حياة، يجتر معه همومه التي صاحبته منذ أن أعلن عن إحالته على المعاش، بصعوبة كبيرة فتح قلبه وحكى لـ”هتون” معاناته مع أخطبوط التقاعد، لكنه أكد بأن أسعد أوقاته هي عندما يلاعب حفيدته الصغرى ويأخذ بيدها ليرافقها إلى المدرسة.

حارس السيارات

(ابريك.ك) متقاعد آخر كان يعمل جنديًا، يبلغ من العمر ثلاثة وستين عامًا ومتزوج من امرأتين، يعول أسرة تتكون من اثني عشر فردًا خمس ذكور وست بنات وأمهم، ولا يتقاضى سوى ألفا درهم، حكايته فريدة من نوعها على اعتبار أنه قضى زهاء العشرين سنة في مخيمات تندوف، ليجد نفسه أخيرًا حارسًا للسيارات في أحد شوارع الحي وراتب زهيد ينتظره على رأس كل شهر اثنا عشر فردا.

اعتقل عام 1979 من منطقة تسمى “كلتة زمور”، ومورست عليه كل أنواع التعذيب النفسي والجسدي والتجويع من طرف انفصاليي ما يسمى بـ”البوليساريو”، يقول (ابريك) لـ”هتون” والألفاظ لا تطاوعه في التعبير عن كل مكنوناته ومعاناته ليس فقط مع التقاعد، ولكن أيضًا مع المرض الذي ألم به نتيجة التعذيب الذي مورس عليه في معتقلات تندوف، “ما أتقاضاه أصرف أكثر من نصفه في شراء الدواء وتوفير العلاج، وما تبقى أستعين به في تلبية حاجيات البيت، ابن وحيد فقط هو الذي يقدم لي يد العون، يعمل بائعًا متجولًا في الشارع المجاور لحي يعقوب المنصور بالعاصمة الرباط”، من حسن حظ (ابريك) أنه يمتلك مسكنًا وإلا اضطر للمبيت في الشارع وافتراش التراب، ذكر أنه يقضي معظم وقته في الاستماع للأخبار المحلية والدولية، يعرف ما يجري بالبلاد وما يجري بفلسطين وسوريا والعراق ولبنان، مؤكدًا أنه يداوم على الحضور إلى مسجد الحي الذي يقطن به مباشرة بعد صلاة العصر لتلقي دروس محو الأمية وتعلم أصول القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم وبعض الأحاديث النبوية الشريفة.

النوافد

+ انتهى كل شيء بالنسبة لـ”الكبير” وأصبح ينتابه شعور مفاده أنه عديم الفائدة ولا دور له في الوسط الذي يعيش فيه، إنه فقط عبارة عن كائن شبح قذفته الحياة قذفًا وأوقعت به في دائرة الحرمان والفقر.

 + الوقت بالنسبة لـ”الكبير” ولـ”الآخرين” لم تعد له قيمة تذكر، لقد تحولوا جميعا كتلكم المعلبات التي يكتب على ظهر غلافها “انتهت صلاحيتها..”.

 + “ما أتقاضاه أصرف أكثر من نصفه في شراء الدواء وتوفير العلاج، وما تبقى أستعين به في تلبية حاجيات البيت، ابن وحيد فقط هو الذي يقدم لي يد العون، يعمل بائعا متجولا في الشارع المجاور لحي يعقوب المنصور”.

 

4 تعليقات

  1. الانسان طول ماهوه صغير اصحاب المؤسسات بتكون محتاجاه ولما يكبر بيستغنوا عنه من غير ما يعرفو اذا كان هوه محتاج ليهم ولا لأ ويروح يشتغل حارس ولامتجول لأن في رقبته كوم لحم وزى ما بيقول المثل “الحوجه مره ” ربنا ما يحوجنا لحد

  2. كان الله في عونهم
    ما ارتاحوا في شبابهم ولا كبر سنهم

  3. لا حول ولا قوة إلا بالله

  4. لا حول ولا قوة إلا بالله
    الله يعينهم

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة.