هواتف ومواقف

حذرت دراسات عدة من حجم التأثيرات السلبية المدمرة للهواتف المحمولة على صحة الإنسان نفسيًّا وجسديًّا واجتماعيًّا؛ وللأسف لا أحد يصغى لتلك التحذيرات، ولا أحد يتخذ موقفًا ما حيالها، بل تركوا الأمور تسير بنا من سىء إلى أسوأ، فقد دمرتنا تلك الهواتف ودمرت علاقاتنا الإنسانية، حتى أصبحت هي العوض عن الرفقاء والأصدقاء والأهل، وأصبحت هي الرفيق الأساسي لكل إنسان على وجه الأرض بكل مراحله العمرية، وكل مستوياته المادية والاجتماعية. أصبحت أهم شيء في حياة الفرد؛ لا يمكنه الاستغناء عنها لحظة، فهي معه ترافقه ليل نهار، وفي أي مكان، حتى أنها ترافقه في دورة المياه، وترافقه وهو نائم، فتكون بجانبه، أو تحت وسادته، بل قد يغلبه النوم، والهاتف لا يزال في كفه، وقد يستيقظ في منتصف الليل وهو غارق في نومه ليلقي نظرة عليه ثم يعاود النوم.

استخدام الهواتف الذكية أصبح استخدامًا مجنونًا، لا عقلانية فيه، أصبح استخدامه إدمانًا، فالفرد أدمنه لدرجة أنه من الممكن أن يتحمل ألم فراق أحد أفراد أسرته، ولكن لا يتحمل الابتعاد عن هاتفه ساعة، وهذا مانطلق عليه “إدمان الهواتف الذكية”.

نعم هو الإدمان، الذي أصبح يشكل خطرًا متفشيًا يفرض نفسه بقوة على المجتمع، وله تأثيرات نفسية واجتماعية خطيرة على الفرد؛ تتمثل في حالة العزلة التي يدمنها الشخص الذي وقع فريسة لخطر الإدمان على الهواتف الذكية مبتعدًا عن مجتمعه الطبيعي، مما يخلف فشلًا اجتماعيًّا وأسريًّا خطيرًا، كما أنه يؤدي إلى التأخر في الدراسة والفشل في العمل، فضلًا عن حالة التشويش الذهني، وعدم التركيز المستمر التي سوف يعانى منها من وقع في إدمان الهواتف الذكية.

لا يمكننا أن نتخيل ماذا ستكون نتائج هذا الإدمان في المستقبل، والتي حتمًا ستكون نتائج كارثية قد تصل إلى حد الوباء، فالإحصائيات تحذر من خطورة الهواتف الذكية، ولا أحد يصغى إلى تلك التحذيرات؛ لذا وجب علينا أن نتدخل لتفادي آثاره.

ولأنه من الممكن التحكم في سلوكيات الأطفال منذ الصغر، فيجب على الوالدين التدخل لحماية أطفالهم، وعدم السماح لهم باستخدام مواقع التواصل الاجتماعى والهواتف بحرية في عمر مبكر، كما يمكن تحديد مدة معينة لاستخدام الهواتف ويتم سحبها منهم بعد ذلك.

يجب علينا كآباء أن نتدخل لحمايتهم فهم ليسوا مستعدين لذلك، وعقولهم ليست مهيئة بهرمون “الدوبامين” وهو هرمون عصبي يتم إفرازه من مناطق متفرقة داخل المخ، وله دور كبير في أنشطة المخ المختلفة، حيث يؤثر على أنظمة الجسم ووظيفتها، منها (الحركة، والنوم، والتعلم، والحالة المزاجية، والذاكرة، والتركيز)، كما أنه يلعب دورًا كبيرًا في عملية تحفيز العقل وشعوره بالرضا أو بالياس، وقد يؤدي إلى حالات اكتئاب، ربما يكون من ضمن نتائجها اللجوء إلى الانتحار.

أما البالغين فمن الصعب التحكم في سلوكياتهم، ولكن علينا أن ننصحهم ونشرح لهم مدى خطورة الهواتف النقالة، فكم من المواقف التي تحدث، تؤكد مدى تعلقهم بها، فلا يكاد أي موظف صغيرًا أو كبيرًا من الأجيال الجديدة، إلا وتجد أمامه على مكتبه الهاتف المحمول، بل قد يكون حاملًا لأكثر من هاتف؛ مما يشتت أفكارهم وتركيزهم أثناء العمل، أما الأجيال الأكبر تجد هواتفهم بعيدة عن أعينهم قليلًا أثناء العمل.

وهناك العديد من المواقف التي يفعلها الفرد في دائرته تشعر الآخرين بعدم الاهتمام، وتفسد التواصل الاجتماعي بينهم، كأن يظل ممسكًا بهاتفه أثناء الحديث معهم، أو حينما يسير وهو يتحدث بهاتفه داخل مقر عمله، فيتوجه إليه أحدهم بسؤاله عن شيء، فلا يجيبه أو يعيره أي اهتمام، أو حينما يخرج إلى غذاء عمل مع بعض الزملاء، أو مع الأصدقاء، أو الأسرة، ويضع الهاتف على الطاولة، ينظر إليه بين الحين والآخر، فهو حينها يعطي إشارة للآخرين أنهم ليسوا مهمين بالنسبة له، أو حينما يكون في زيارة عائلية، ويجلس صامتًا وفي يده هاتفه يتفحصه ويرد على ما يصله من رسائل وإشعارات، فهو بذلك يوصل رسالة إلى عائلته أنهم بلا أهميه عنده، وأن زيارته لهم مجرد زيارة روتينية ليس بها أى ود أو أولفة أو محبة، كما أن استخدامه قد يكون سببًا في حدوث حوادث طرق كارثية نتيجة الانشغال بالهاتف أثناء القيادة.

إذن فالاستعمال الخاطىء لهذه الأجهزة قد يكون كارثيًّا، وقد يكون سببًا في مقتل مستخدمه، أو مقتل المحيطين به. كما أن هناك رد فعل في اللا وعي تجاه هذه الأجهزة، وهناك بعض التصرفات التي تشعرنا بعدم الراحة، بل قد تشعرنا أننا غير مقبولين من الآخرين بسبب هذه الأجهزة.

لذا، يمكننا القول كم نحن مدمنون .. فلم يكن المغزى من اختراع الهواتف الذكية، إيذاء البشرية، بل كان الغرض منها تيسير العملية الاتصالية بينهم في أي وقت، وفي أي مكان، لكن للأسف، باستخدامنا الخطأ له صار أحد أسباب التفكك الأسري وأصبح آفة، تضيع الوقت للكبار، ودمية يلهو بها الأطفال، فتأخذ من وقتهم وتركيزهم وتفصلهم عن مجتمعاتهم.

وماذا بعد أن علمنا بخطورة الهواتف الذكية على مستخدميها .. هل هناك أمل في علاج مدمنيها ؟

نعم هناك طرق عديدة لعلاج إدمان الهواتف الذكية، وأول خطواتها هى الاعتراف أننا مدمنون، وأن هناك مشكلة تستوجب العلاج بعدها نقوم بالآتي:-

– محاولة ممارسة نشاطات مُختلفة مع الأهل والأصدقاء بدلًا من اللجوء إلى الألعاب الإلكترونية.
– تحديد الهدف من استخدام الأجهزة الذكيّة.
– تحديد فترة مُعيّنة لاستخدام الأجهزة الذّكيّة.
– تجنب استخدام الهاتف لفترات طويلة أمام الاطفال تجنبًا لتقليدهم لنا.
– وضع قائمة للتّذكير بأضرار الأجهزة الذّكية ومخاطرها.
– محاولة التّقليل من التّواصل مع المُقرّبين من خلال الأجهزة الذكيّة، واللجوء إلى التواصل بشكل مُباشر.
– محاولة وضع الهاتف في مكان بعيد عن الأيدي .

وبهذا نكون قد تفادينا إلى حد كبير مخاطر تلك الأجهزة، كفانا الله وإياكم أضرارها.

☘️🇪🇬☘️🇪🇬☘️🇪🇬☘️🇪🇬☘️🇪🇬☘️🇪🇬

بقلم الأديبة العربية/ جيهان السنباطى

14 تعليق

  1. مثل هذه الأجهزة هي سلاح دو حدين إما أن تكون مفيدة إذا أحسن المرء استخدامها أو تكون عكس ذلك إذا أسيئ التعامل معها.. موضوع مهم شكرا لك أستاذة جيهان السنباطي..

  2. امتنان الصالح

    بوركتي وبوركت اناملك أتاذة جيهان..

  3. جواهر الشمري

    موضوع في غاية الأهمية، ولكن للأسف أصبحت كثير من الأعمال مرتبطة بصورة أو بأخرى بالهواتف المحمولة ولم يعد من السهل تجنبها.

  4. فايزة الشهراني

    موضوع مهم وشامل ووافي، ولكن كيف يتجنب من ترتبط أعمالهم بالهواتف النقالة استخدامها؟ خاصة إن كانت أعمالهم تتطلب المكوث لساعات طويلة ممسكي بهواتفهم؟

  5. بدرية العبدالله

    مقال جميل جدا، ورغم الصورة المؤلمة للواقع لكنه يطرح حلولا قد تكون ناجعة نوعا ما.

  6. بارك الله فيكِ أستاذة جيهان.

  7. طلال العطا الله

    دائما ما تلمس الكاتبة جيهان مشاكل الواقع بأسلوب ممتع ومتميز.

  8. مقالة مهمة جدا وتحتاج إلى أن يعيها كل مسؤول.

  9. للأسف أصبحت الهواتف المحمولة الآن هي وسيلة لتيسير عمل الآباء وواجباتهم دون الالتفات إلى أضرارها.

  10. بوركتِ وبورك بوحك أستاذة جيهان.

  11. شريف إبراهيم

    موضوع مهم وحيوي، وحديث العصر وللأسف هو في ازدياد مضطرد ويجب حله.

  12. مقال جميل، ويحمل في طياته المرض والعلاج.

  13. أحسنت أستاذة جيهان، اختيار موفق ويجب الانتباه إليه

  14. كثيرة هي أضرار الهواتف المحمولة لكنها أصبحت ضرورة حياتية لا يمكن الاستغناء عنها.

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة.