هل فقدنا خير رفيق في هذا الزمان؟

لو كان الشاعر النرجسي المعتد بكل أقواله وأفعاله أبو الطيب المتنبي حيًّا بيننا حتى الآن، يا تُرى .. ماذا سيقول عن بيت شعره الذي قال فيه “وخير جليس في الأنام كتاب”؟!.
هل سيظل عند قوله بأنه لا يزال هذا الرفيق هو الأفضل في هذا الزمان؟ وإن مجالسته لا تزال محبذة للكثيرين في هذا الزمن الذي يعج بكثير من الرفقاء؟.

الكتاب يعتبر الترمومتر الذي يقاس به مدى ثقافة الشعوب وإقبالها على القراءة بل وتحضرها، ومواكبتها لركب التطور، وكان إلى زمن قريب علامة مهمة في المنازل بتصدره مجالسها، ويشكل علامة على رقي ذائقة أهل البيت بتنوع ما يوجد عندهم من عناوين للكتب.

كما يعتبر الإنسان نابغًا في مجتمعه، ورائدًا في مجاله، بعدد ما يخطه في مجاله من كتب، فالأديب لا يحسب أديبًا إلا إذا اجتمع له من مطبوع الكتب الكثير، والشاعر لا يعتد بشعره إلا إذا غزت دواوينه أسواق الكتب ورفوف المكتبات، وقس على ذلك الأكاديميين والأطباء والمهندسين، بل وحتى الطباخين صارت لهم كتبهم ومكتباتهم.
المتنبي ليس وحده من أشار إلى قيمة الكتاب، فنجد أيضًا أحد أهم كتَّاب العربية، وأكثر من ترك أثرًا بترجماته ومؤلفاته وهو (عبد الله بن المقفع)، الذي ترك نصيحة تختصر كثيرًا مما قيل عن الكتابة، والكتب، والإطلاع، والحديث، بقوله “اكتبوا أحسن ما تسمعون، واقرأوا أحسن ما تكتبون، واحفظوا أحسن ما تقرأون، وتحدثوا بأحسن ما تحفظون”.

كما أن للكتاب وأثره على العقل إشارات في كل الموروث العالمي، وكل شعوب الدنيا أشارت في أمثلتها وعبر عباقرتها إلى أهمية الاطلاع الذي كان وسيلته الكتاب، المثل الألماني يقول (لا ينمو الجسد إلا بالطعام والرياضة، ولا ينمو العقل إلا بالمطالعة والتفكير).

من هنا جاءت قيمة الكتاب، وترسخت أهميته لدى الشعوب التي تقيم للعقل والإدراك قيمة، لذلك تٌقَيَّمْ الدول بحسب استهلاك شعبها للكتب اقتناء وقراءة، ولذلك نجد كثيرًا من الإحصائيات التي تظهر مدى تقدم الشعوب في الاهتمام بالقراءة واقتناء الكتاب، غير أن هذه النسبة بدأت تتراجع أمام انتشار السوشيال ميديا، وعوالم التقنية المختزلة في آلات صغيرة الحجم قوية الأثر، مما شكل عوالم جديدة، لم تعد تتيح مجالًا واسعًا لأن يكون خير رفيق في الأنام هو الكتاب.

اليوم زاحم الرفيق الخيّر في هذا الزمان رفقاء كُثر، لا يحتاجون لمطابع وورق وتصحيح ومراجعة، يكفي أن تضغط زرًّا في جسم هذا الرفيق لينقلك حيث شئت من الكون، ويتجول بك في غابر الزمن وحاضره ومستقبله، تتصل بمن تريد في أسرع من لمح البصر، وزنه خفيف لا يحتاج لحيز للحمل ولا غرفة للتخزين، فقط يكفي جيب في سترتك أو بنطالك لتضع فيه هذا الرفيق “الديجيتال”.

ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي قَلَّ كثيرًا الإقبال على قراءة الكتب، وصارت الأجيال الحالية أكثر بُعدًا عن الاطلاع واقتناء الكتاب، فهذه الأدوات الحديثة توصلهم إلى المعلومة التي يريدونها بسرعة فائقة، فلا يكلفهم الأمر سوى وضع ما يريدون من معلومة عبر محركات البحث، أو القنوات والمواقع المختلفة، لذلك ضاعت منهم ميزة الاستمتاع أثناء البحث والتقصي والتي تعتبر ميزة تساعد في رسوخ المعلومة مدى حياة الإنسان، أما البحث عبر الأدوات الحديثة فهو أشبه بلقاء شخص ابتسم لك وسط حشود هائلة في احتفالية حضرتها مصادفة.

ومع هبوط مؤشر القراءة لدى الشعوب العربية، يظل أمامنا معركة صعبة، فإذا كنا أمة لا تقرأ كثيرًا حتى قبل انتشار ظاهرة السوشيال ميديا، فكيف بحالنا بعدها، لذلك نحتاج إلى تغيير نمط تعاملنا مع الكتاب، بداية بأبنائنا في صفوف الدراسة الأولى، والذين نجدهم يمقتون الكتاب والاطلاع عليه من أسلوب وطريقة الدراسة التي تعتمد الحشو، وتجبر الطفل أن يهضم كل ما في الكتاب رغم عسرته الفكرية.

بقلم/ عبد العزيز الرواف

22 تعليق

  1. اصبح اليوم خير جليس هو الموبيل بل شك

  2. فعلا ضاع زي ما ضاعت حاجات كتير مقال جميل يسلط الضوء على الواقع

  3. قليل في هذا الزمان اللي بقى يقراء حتى الأحبار أصبحت تغريدة او عدد من الكلامات تلخص الأحداث في سطور ممتاز المقال احسنت

  4. سعيدة اني من قراء صحيفة هتون لأنها تعتني جيدا المواضيع التي تنشر فيها إلى الأمام

  5. م.خالد عبد الرحمن

    الكتاب يعتبر الترمومتر الذي يقاس به مدى ثقافة الشعوب وإقبالها على القراءة بل وتحضرها، ومواكبتها لركب التطور.

  6. رائع للغاية

  7. سميرة الخالدي

    كسبت هتون كاتب مميز له قيمته وأسلوبه المتفرد شكرا لهتون التي قدمت لنا الكاتب الليبي المتميز عبدالعزيز الرواف ونأمل أن لا ينقطع ابداعه عنا.

  8. تخير من الكتب الكرام أجلها
    فما فتق الأذهان إلا النوادر

  9. شئ جيد للغايه

  10. الشكر لصحيفة هتون بالتوفيق

  11. “اكتبوا أحسن ما تسمعون، واقرأوا أحسن ما تكتبون، واحفظوا أحسن ما تقرأون، وتحدثوا بأحسن ما تحفظون”.

  12.  (لا ينمو الجسد إلا بالطعام والرياضة، ولا ينمو العقل إلا بالمطالعة والتفكير).

  13. حامد الحازمي

    مقال مميز للغايه بالتوفيق

  14. زياد الدلنسي

    كالعادة الكاتب “الرواف” لا يكتب شيئا بدون إثارة مكامن انسانية راقية دام ابداعه وشكرا لهتون لأنها قدمت لنا هذا الكاتب الرائع

  15. لمسة راقية من هذا الكاتب المتميز ، شكرا لك أيها المبدع، وشكرا لبراح هتون الجميل

  16. إبداع ماشاء الله

  17. أبدع الكاتب والشكر لهتون

  18. ضياع الكتاب هو ضياع للثقافة والمعرفة شكرا للكاتب المبدع

  19. صالح العبيدي

    تحية للمفكر والكاتب الفيلسوف عبدالعزيز الرواف أحد أهم الأصوات الثقافية والأدبية في ليبيا والمغرب العربي وتحية لهتون بجلبها هذا الاسم الكبير.

  20. عبدالسلام الصالحي

    شكرا للكاتب والموقع

  21. مقال مميز

  22. الكاتب والفنان غارسيا ناصح

    تحياتي للكاتب وللصحيفه

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة.